الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٣المجتمع الذي يسارعون لخدمته، ويختلطون به فيعرفونه حقَّ المعرفة، فيستعدُّون كلَّ الاستعداد لمعالجة أمراضه."(1)
إنَّ الشّيخ الإبراهيمي يريد من الشّباب أن يكونوا ذوي نفوس كبيرة، وعقول جبّارة، يتميّزون بالإرادة القويّة، والتّصميم الذي يفلُّ الحديد، والتّحدي الذي يقهر كلَّ عتيد، والفكر الذي لا يخاف من الجديد، والنّفس التي ترغب من الحياة في المزيد؛ لتحارب الجمود، وتناهض الرّكود، وتخترق السّدود لتفسح المجال للدّين كي ينتصر، وللعلم كي ينتشر، وللحياة كي تتطوّر. إنّ الإسلام قويٌّ، يريد من أبنائه أن يكونوا أقويّاء؛ كي يقوموا به أحسن قيام، ويرفعوه أعلى مقام، ويقفوا به بين الأنام، متحدِّين كل جبّار وظلّام.
لهذا يؤكد للشّباب الطّلبة هذه المعاني؛ بلفت أنظارهم إلى حقيقة الزّمان الذي يعيشون فيه، ويدفعه ليعوا ويعرفوا ما يجب عليهم عمله حتّى لا يقهرهم: " … لقد سمعتم وحفظتم هذه الجملة: النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولعلَّكم سمعتم في معناها تأويلين أو تأويلات، لكنَّها لا تقبل التّأويل، لأنّها من آيات الله في الأنفس والآفاق، فأين موضع الشَّبه منكم بزمانكم؟ زمانكم طائر وأنتم واقعون، وزمانكم مصمِّم وأنتم متردِّدون، وزمانكم سائر وأنتم جامدون، وزمانكم ضاحك مستبشر، وحظُّكم منه العبوس والحزن … "(2)
هل انقلب الشّيخ المعلّم على أبنائه، فوصمهم بما يبرز تخلّفهم؟ بعد ما وسمهم بسات الأبطال والأكابر؟؟ أنا لا أرى في هذه التّذكرة والتنبيه خروجًا عن خطّه المشجّع والمثمّن لما قام به أبناؤه الطّلبة الشّباب .. بل إنّ في هذا عرضًا لحال الأمّة غير المسرّ، الذي يكون على عاتق هؤلاء الشّباب وعلى كاهل هؤلاء الطّلبة واجبُ القيام بتغييره؛ ليخرجوا مجتمعهم من الظّلمات إلى النّور، ومن التّيه والضّياع إلى الهداية والرّشاد .. بل إنّ هذه الملاحظات هي دليل على الثّقة التي أعطاها الشّيخ البشير في ناشئته ونابته، الذين أظهروا بداوة حسنة في إضرابهم، فلا يريد منهم أن يتوقّفوا عن العمل في درب الإصلاح والتّحسبن والتّطوير والتّغيير نحو الأحسن .. بل يريد منهم أن يستمرّوا في هذا الدّرب. وكلّ من سار على الدّرب وصل .. ولا يكون هذا إلّا بمواصلة العمل، لنحقيق هذا الأمل ..
إنّه يستثيرهم بهذه الوخزات، ويستفزُّهم بهذه اللّذعات، ويحرِّكهم بهذه المقارنات، لا يرضى لهم أن يكونوا خارج فضاء زمانهم، ولا يقبل لهم أن يكونوا متخلّفين عن أقرانهم، يبغي لهم الظّهور بمظهر القويِّ في المضمار، ينأون عن كلِّ انهزام وانكسار .. فيحقِّق بهم المجتمع كل انتصار ..
لقد أفلح الشّيخ الإبراهيمي في هذا المسعى – بهذا التّوجيه والتّنبيه - أيَّما فلاح، شعر بهذا النّجاح الذي حقّقه، بفضل عمله الدّؤوب، ونتيجة التّربية الحسنة التي قام بها، ومارسها مع زملائه نحو من تولَّاهم بالرّعاية وبخاصّة الشّباب، حتّى ولو كان الأمر يتعلَّق بالشعب الجزائري بكلٍّ فئاته، فإنّ الاعتناء بالمراحل الأولى من عمر الفرد، وبمرحلة الشّباب، هي التي تعطي هذه النّتائج الكبيرة.
لمس ثمرة ذلك، فقال: " أثرُ أعمالنا في الشَّعب بارز، لا ينكره حتّى أعداؤنا من الاستعماريّين، وخصومنا من إخواننا السّياسيّين، فمن آثارنا بثُّ الوعي واليقظة في الشّعب؛ حتّى أصبح يعرف ما له وما عليه، ومنها إحياء تاريخ الإسلام وأمجاد العرب، التي كان الاستعمار يسدُّ عليه منافذ شعاعها، حتّى لا يتسرّبَ إليه شيء من ذلك الشّعاع،
(1) - محمّد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الرّابع، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م، ص: 102.
(2) - عيون البصائر، ص: 452، 453.