سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ١٣

في مقابل هؤلاء المستهترين بكرامتهم، والمذلّين أنفسهم، بأتي الأعزّاء الكرماء، الذين يعيشون في طمأنينة وراحة بال، سعداء بما يقومون به، وما يبدونه من سلوك؛ وذاك بفضل ما بغمر قلوبهم من إيمان، وما يسكن صدورهم من عقيدة. يقول الشّيخ بيّوض: " … ذلك لنعلم علم اليقين أنّ السّعادة إنّما هي في القلب، والشّقاء إنّما هو في القلب، ليس إلاّ. فإذا حلّت السّكينة في القلب، فكان يذكر الله، فتلك هي السّعادة المثلى، حتّى ولو كان في وسط نار الجحيم كالنّار التي ألقي فيها إبراهيم - عليه السلام -، أو كان في غياهب سجن مظلم، كالسّجن الذي سجن فيه يوسف - عليه السلام -، أو بطن حوت ضخم كالحوت الذي ابتلع يونس - عليه السلام -،، أمّا إذا لم تحلّ السّكينة في القلب، فإنّ صاحبه يعيش في شقاء وضجر، ولو كان في أفخم قصور الدّنيا، أو كان في أرحب بلاد، لا يحدّها سقف ولا جدار، حتّى إنّه يتمنّى أن لو استطاع لأخرج قلبه، ونفض ما فيه من الهمّ، كما ينفض الغبار عن الثّوب، ولكنّنا نقول لهذا: اسأل ربّك أن ينفض ما في قلبك من همّ، بأن ينزل السّكينة، فيطمئنّ ويزداد إيمانًا"(1)

في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى ﴿هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الموِمِنينَ ليزدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إيمانِهِمْ … ﴾ (الفتح: 4) بيان لقيمة التّفويض إلى الله والاعتراف بالعجز عن الإدراك، وفي هذا تعظيم الخالق، وكلّ ذلك ينزل السّكينة في القلوب، فيتقوّى الإيمان بالله فيها، فتزداد تذلّلا له وخضوعًا …(2)

ركّز الشّيخ بيّوض على كلمة (السّكينة)، وقال: هي ليست شيئًا ماديًّا ترى بالعين، أو تدرك بالحواس .. هي حالة يشعر بها المؤمن تسكن قلبه، فتحدث حالة من الطّمأنينة والرّاحة .. فتسكن نفسه، ولا تضطرب مهما يحدث لها. بعد أن ذكر الشّيخ ما يشعر به بالإنسان، من مظاهر الضّيق والقلق، التي تسبّب له اضطرابًا وخوفًا وهلعًا .. ثمّ قد يهدأ وتسكن نفسه … قال:" ولكن هل هذا هو المراد بالسّكينة؟ كلاّ، وإنّما المراد شيء آخر. والفرق كبير بين القلب السّاكن المطمئنّ، والقلب المضطرب المغموم، فالإنسان المضطرب القلب يحسّ من نفسه ضيقًا فيقول: وددت لو أفرغت ما في قلبي من الهمّ والغمّ. ولكن لا سبيل لك إلى ذلك، لأنّه ليس هناك من سبيل تفرّغ به ما في قلبك من الهمّ والضّيق، إلآّ أن تلجأ إلى الله فينزل عليك السّكينة .. وهذه هي المنّة الكبرى حقًّا. ولابدّ لنا فيها وقفة."(3)

كلّ السّرّ والعبرة وبيت القصيد في ما جاء في ختام النّصّ (ويزداد إيمانًا)، فراحة الإنسان في سعادته، وسعادته منوطة بما يجب أن بتوفّر له من أسباب ووسائل لذلك، هذه الوسيلة لن تكون سوى الإيمان

(1) - في رحاب القرآن، ج19، تفسير سورة الفتح، ص: 234.

(2) - عن أمثلة تفويض الأمر إلى الله، وردّ العلم الحقيقي إلى الله، بما يبعث السّكينة والطّمأنينة في القلب، فتجتاز كلّ محنة، وكلّ عقبة وكلّ امتحان وكلّ فتنة … ينظر المصدر السّابق، ص: 228 وما بعدها.

(3) - المصدر السّابق، ص: 228. ينظر ما كتبه الشّيخ في التّعليق على كلمة (سكبنة)، ص: 229 – 231.

١٣ / ٦٣