سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ١٤الذي يغمر القلب، وهذا الإيمان توفّره العقيدة؛ لذا وجب الاعتناء بغرس العقيدة في القلب، ليكون الاطمئنان، وبذكر الله تطمئنّ القلوب، فلا غرو أن يكون القرآن كتاب عقيدة، فيتقيّد الشّيخ بيّوض في منهجه بالارتباط به، فيفسّره، وينظر فيه بمجهر العقيدة، ويفتح مغاليقه أو خزائنه بمفتاح العقيدة …
إنّ الشّيخ بيّوض يؤكّد على ضرورة العقيدة لتستقيم الحياة، بل لتكون الحياة الحقيقيّة، التي تهيّئها التّربيّة الحسنة، وهو لا يرى التّربيّة إلاّ عقيدة، بمعنى أدقّ: إنّ ما يجب أن تقوم به التّربيّة هو غرس العقيدة في القلب، واستثمارها في تحسين السّلوك، وتعديل المسير … يقول الشّيخ: " … فقد قام والد ينصح ولده، فأجابه الولد: لا تتدخّل في خصوصيّاتي: ديني، عقيدتي، عملي. ويلك يا هذا، إذا لم يتدخّل أبوك في عقيدتك حتّى يصحّحها، وفي قولك وعملك حتّى بصلحهما، وفي سلوكك حتّى يسدّده، فما معنى التّربيّة؟ "(1)
هذا هو فهم الشّيخ بيّوض للتّربيّة، فَهِمَهَا: أنّها تثبيت للإيمان في القلب، وترسيخ للعقيدة فيه؛ لأنّهما إذا تمكنّا في نفس شخص جاء سلوكه سويًّا، وكان تحّركه في خطّ مستقيم، وهو صراط الله الذي شرع لعباده. وهذه هي الغاية من التّربيّة. يقول الأستاذ حمّو الشّيهاني: "وقد اهتدى الشّيخ بيّوض لتأسيس جهوده الإصلاحيّة على الدّعوة إلى تجديد الإيمان، وتركيزه في النّفوس؛ تأسّيًا بما ينطلق به الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، إذ يقول: (كان لزامًا علينا أن نعود، فنبدأ بما بدأ به الرّسل، إلى الدّعوة إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد [وتحصين القلوب من أن يتطرّق إليها شكٌّ، يتحوّل بعد ذلك إلى إلحاد صريح، خاصّة وهو يتساقط كالمطر في كلّ مكان، وقد عمّ كثيرًا من شباب المسلمين … ]) "(2)
قدّم الشّيخ بيّوض هذا التّنبيه، في أثناء حديثه عن محاربة البدع والخرافات التي يتمسّك بها بعض النّاس، ويدّعون أنّ ذلك دين، أو يجهلون حقيقة الدّين، فيتخبّطون في سلوكهم، ويخلطون ويخطئون في أعمالهم … وفي كلتا الحالتين يجب التّنبيه والتّصحيح ..
البداية تكون بتصحيح العقيدة، وتجديد الإيمان، إنّ هذه السّبيل هي الكفيلة بتربيّة النّفوس على الالتزام يشرع الله، والاحتكام إلى قانونه، والصّدور عمّا يدعو إليه الخالق البارئ. يقول الشّيخ بيّوض: " … والدّين كلٌّ لا يتجزّأ؛ بدءًا من رسوخ أصول العقيدة في أعماق القلب، إلى أقلّ عمل يصدر من جارحة من
(1) - في رحاب القرآن، الجزء: 16، (تفسير سورتي غافر وفصّلت)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر،، شر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1428هـ/ 2007م، ص: 489.
(2) - حمّو بن عيسى الشّيهاني، الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، منهجه وأبعاده (أطروحة الدّكتوراه في العلوم الإسلاميّة) (مخ)، كليّة العلوم الإسلاميّة، جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1430– 1431هـ/ 2009– 2010م، ص: 62. النّصّ المقتبس هو من كتاب في رحاب القرآن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1423هـ/ 2002م، ص: 177.