سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ١٦

بيّوض هي المحور الذي منه ينطلق الإنسان المؤمن وإليه ينتهي؛ حتّى يحقّق خلافة الله له في الأرض، ويفوز بالجنّة والرّضوان في الآخرة "(1)

إنّ طريقة تعامل الشّيخ بيّوض مع القرآن ومنهجه في هذا التّعامل: تفسيرًا وتأويلاَ وتحليلاَ وبيانًا … يبرز ويقرّر أنّ القرآن نزل – أصلاً – ليثبّت العقيدة في القلوب، ويكشف أنّ كلّ ما يؤمر به المرء أن يأتيه، وكلّ ما يُنْهى عنه أن يتجنّبه، منطلقه العقيدة، ومنتهاه العقيدة، وما بينهما يتحرّك في خطّ مستقيم بين المنطلق والمنتهى.

لبيان ذلك اتّبع الشّيخ إبراهيم بيّوض منهجًا قويمًا، مكّنه من تحقيق كثير من أهدافه في التّربيّة، وبلوغ غرضه من تفسير القرآن، وهو تثقيف النّاس ووعظهم، ومعالجة أمراض النّفوس، التي تقوم به أو تساعد عليه رسوخ العقيدة في القلوب … بهذا تظهر قيمة المنهج الذي سلكه الشّيخ بيّوض في تفسيره القرآن الكريم.

أقدّم منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة في عدد من العناصر، التي بدت لي مهمّة في هذا التّقديم، لنتعمّق فيه ونكتشف جيّدًا حقيقة هذا المنهج وعمقه وجدواه .. بداية نتساءل ما هي الأهداف التي كان ينشدها الشّيخ بيّوض في التركيز على العقيدة؛ منطلقًا في التّربيّة والدّعوة .. ؟

الأهداف المنشودة

إنّ من يتأمّل منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يستنتج مجموعة من الأهداف، كان الشّيخ بيّوض يرمي إلى تحقيقها. بذلك يمكن له أن يدرك أهميّة هذا المنهج، ويعرف دوره في الإصلاح والتّربيّة والتّكوين والإعداد. من هذه الأهداف:

1 – البيان والتّوضيح ورفع اللّبس

هذا المنهج كان يهدف إلى توضيح بعض الأمور الغامضة، وبيان بعض المسائل الخفيّة، ودفع بعض الشّبه، التي قد تؤثّر في حقيقة المعتقد. لذا فإنّه يسعى لتصفيّة القلوب من الاعتقاد الخاطئ؛ الذي أفرزه سوء الفهم، أو العجز عن الإدراك، أو الخطأ في النّظر.

تعرّض الشّيخ بيّوض للفهم الخاطئ، الذي تقدّمه لنا عقولنا القاصرة، فنبني عليها أحكامًا، قد تمسّ العقيدة. وعمد إلى التّصحيح والتّوضيح. قال الشّيخ: "لقد ذكرنا أمثلة عن هذا (عن أخطاء الأنبيّاء)(2) في حقّ الأنبيّاء والمرسلين، وردت في القرآن الكريم، لا على سبيل الحصر، وبخاصّة فيما يتعلّق ينبيئنا - صلى الله عليه وسلم -، فقد عابه الله في شأن المنافقين(3) " … لكنّ الصّورة التي تُظهر لنا بوضوح حقيقة معنى (خلاف الأولى) بالنّسبة للنّبئ - صلى الله عليه وسلم -، وندرك من خلالها أنّ ما عمله النّبئ - صلى الله عليه وسلم -، كان - بحسب عقولنا – هو الحقّ

(1) - صالح بن محمد حمدي، مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض من خلال تفسيره في رحاب القرآن، ط1، دار الخلدونيّة، الجزائر، 1430ه/ 2009م، ص: 57.

(2) - قال الشّيخ بيّوض معلّقًا على بعض الآيات التي ظهر فيها عتاب الله - عز وجل - نبيّئه محمد - صلى الله عليه وسلم - على بعض التّصرّفات أو الأخطاء التي صدرت منه، ثمّ على قوله تعالى: ﴿ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر … ﴾ (الفتح/ 2): " … وكان يخطئ ويصيب، ويعاتب على خطئه، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم. وبهذا التّصرّف الذي يتصرّف به النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى طبيعته وبشريّته شرع لنا باب الاجتهاد.

هذه أخطاء الأنبيّاء، بحسب ما يليق بمقامهم، فلا يصدر منهم ذنب صغير ولا كبير، إن هي إلاّ أشياء يرونها بالنّسبة لمقامهم العالي نوعًا من التّقصير أو القصور في حقّ الله تعالى، وهذا ما يعبّر عنه العلماء بـ (خلاف الأَوْلَى) … " في رحاب القرآن، ج19/، تفسير سورة الفتح، ص: 215، 216.

(3) - ينظر الآيتان: 43 و 83، سورة التّوبة.

١٦ / ٦٣