سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ١٧

والصّواب، وأنّه إنّما كان يقصد الخير والمصلحة العامّة لا غير، وهذا ما تبرزه لنا قصّته مع سيّدنا عبد الله بن أمّ مكتوم الأعمى - رضي الله عنه -، الذي عاتب الله تعالى فيه نبيئه - صلى الله عليه وسلم - .. "(1)

بعد أن فصّل القول في هذه القصّة، وبيّن ما يجب اعتقاده في أمثال هذه المواقف، والرّجوع إلى الوحي لفهمها، وعدم النّزول عند منتجات عقولنا، قال: " إنّ هذه الحادثة تفتح لنا بابًا واسعًا للفهم، ندرك بها حقيقة الأمر بالنّسبة لفعل النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، من المنظور الإلهي في هذه القضيّة، أو قضيّة أسرى بدر، أو قضيّة الفداء، وكان في كلّ منها يراعي المصلحة كما راعى المصلحة كذلك لمّا صلّى على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين …

وبعد، فإنّه ليس في مثل هذه الأعمال التي قام بها الرّسل عليهم السّلام - وبخاصّة نبيئنا محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - أيّ ذنب بحسب ما نراه نحن ونظنّه، ولكنّها بحسب مقامهم العالي، وما أراده الله تعالى منهم من الإسوة، هي ذنوب في حقّهم، وبهذه النّظرة يمكن لنا أن نفسّر هذه القصّة وغيرها ممّا يروى عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - وغيره من المرسلين، والتي يريد الله تعالى من ورائها أن يوجّهنا إلى تعظيم أوليّائه، وإن كنّا لا نعلم على وجه التّحقيق من هو الوليّ عند الله .. "(2)

2 – توفير الحصانة الإيمانيّة

يهدف المنهج إلى توفير الحصانة الإيمانيّة، التي تعصم من الاستهتار بالدّين، والتّهاون في الحدود، والاستخفاف بالقيم … وتهيّئ النّفوس للتّمسّك بشرع الله، وتحكيمه في الحياة. قد يقال: إنّ هذا الهدف هو القاسم المشترك عند كلّ من يتناول عرض العقيدة، نقول هذا صحيح، وهو ما يجب أن يُتوخّى، لكنّنا نؤكّد أنّ ما قدّمه الشّيخ بيّوض لتحقيق هذا الهدف لافت للنّظر. ميزة منهجه أنّه يبيّن بالمحسوس وبضرب الأمثلة لما يقدّمه في عرض العقيدة، ويبيّن ويضيء ببراعةٍ الجوانب التي ترتكز عليها حقيقة العقيدة، مع الاعتماد على التّعليل، كما فعل حين تكلّم عن دور الحصانة الإيمانيّة في تصفيّة القلب من الشّبهات التي تنال من العقيدة. قال: إنّ الحصانة الإيمانيّة تلقيح للقلب من الأمراض التي قد تصيبه، فهو يرى أنّ سبب انحراف النّاس عن الصّراط المستقيم أنّهم " ليس لهم حصانة في نفوسهم، ولا في عقولهم. فهم كالجسم المهلهل المستعدّ لتقبّل كلّ الأمراض، ومن أراد الله به خيرًا يحصّن قلبه بالإيمان، وعقله بالتّفكير؛ حتّى يميّز بين النّفع والضّرر، وبين الحقّ والباطل، وبين المعروف والمنكر. فلا تتعلّق الشّبهات

(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 216، 217.

(2) - المصدر السّابق، ص: 220، 221.

١٧ / ٦٣