سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٢٢يقوم بعمليّة التّفهيم والتّوعيّة والتّصحيح … على أحسن وجه. يقول الشّيخ مفسّرًا ومعلّقًا على قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه﴾؛ محلّلا وشارحًا المصطلحات، ومبيّنًا الدّلالات: " … فالدّين من حيث هو دين هو ما يدينه به البشر من عقيدة، والدّينونة ما يعتقده أحد في قلبه بحرمة شيء وغلبته وقوّته، وكونه مصدر الضّرّ والنّفع، والخير والشّرّ، فيدين له، أي يخضع له. وَ"دان" بمعنى: خضع. فأصل الدّين كلّه ينبني على هذه العقيدة، أن يرتكز في القلب أنّ هذا الشّيء له قوّة، وله غلبة، وله سلطان، يستطيع أن ينصره إن شاء أو ينفعه، فهو يدين له، يخضع ويتودّد إليه بأيّة كيفيّة، وأمّا هذه الحركات والطّقوس المعمول بها، من ركوع وسجود وتقبيل وتمسّح وتقريب القرابين، وأشياء أخرى، سواء في الدّيانات السّماويّة، أو الدّيانات الوضعيّة التي تعدّ بالآلاف، فهي منبعثة كلّها من بذرة في القلب، الذي يعتقد قوّة وسلطانًا غيبيين في هذا الشّيء الذي يدين له. هذا هو أصل الدّين، وهو واحد، فمن أرشده الله تعالى كانت عقيدته متّجهة إلى خالق السّموات والأرض، لا إله إلاّ هو، وهذا الذي يدان له … "(1)
من الألفاظ التي وضّح حقيقتها ودلالاتها: (الظّهور، الدّين، الحق)، هذا التّوضيح كان من أجل أخذ المتلقّي والغوص به في أعماق هذه الكلمات، التي تحمل اصطلاحات خاصّة، مقرونة بدلالاتها التي تحملها، ومربوطة ومشدودة إلى الدّقائق في المعاني التي تتضمّنها العقيدة، ويتوفّر عليه الإيمان .. هكذا يتّضح في هذا التّناول جانب من منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة.(2)
4 – بيان معنى الرّبوبيّة - التي إن فقهت حقيقتها - أنتجت عقيدة صحيحة، وأعانت على تجسيد فعلها في السّلوك، ونقلت القول إلى العمل، وحدّدت حركة المؤمن الموفّي الملتزم بالعهد، الذي لا يقول إلاّ ما يفعل، ولا ينطق إلاّ بما يحقّقه في الواقع. هذا التّوضيح وهذا التّدقيق هو لبيان ما يجب تبنّيه واعتناقه للسّير بوضوح وسلامة في هذه الحياة.
ذهب الشّيخ بيّوض بعيدًا؛ حين انطلق من العقيدة ليبيّن أنّ سيرورة الحياة وضمان استمرارها لا تكونان إلاّ بفقه حقيقة الرّبوبيّة، والإصدار في الحياة عن فحواها وما تتطلّبه العقيدة. يقول؛ تفسيرًا وتبيينًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ الذين قالُوا رَبُّنَا الله … ﴾ (فصّلت/ 30) " ليس المراد أنّهم نطقوا بألسنتهم فقط، وإنّما قالوا هذا بألسنتهم تعبيرًا عن العقيدة الرّاسخة المتمكّنة في قلوبهم؛ اعترافًا منهم بأنّ الله هو ربّهم. وكلمة (الرّبّ) تتضمّن كلّ شيء، بداية من الإيجاد، وما يقتضيه الإيجاد من الإمداد الذي به استمرار الحياة إلى
(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 325.
(2) - ينظر تعليق الشّيخ بيّوض على الآية، وتوضيحه للألفاظ المشار إليها المصدر السّابق، ص: 323 ما بعدها …