سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٢٤استفاض الشّيخ بيّوض في تحليل مضمون كلمة الاستقامة، وفي توضيح معنى جملة (ربِّنا الله ثم استقاموا)؛ مبيّنا دلالاتها، وشارحا مغازيها، رابطَا وقارنًا بين دلالات الاستقامة والتّفسيرات التي قدّمت عنها، والأبعاد التي تحملها … رابطًا كلّ ذلك بالعقيدة ..
6 – لا منهج في باب العقيدة إلاّ منهج القرآن: يرى الشّيخ بيّوض أنّه مادام موضوع العقيدة الإسلاميّة هو (الغيب)، الخارج عن المشاهدة، والعصيّ عن الإدراك الحقيقي الصّحيح، وما دامت سلامة العقيدة تشترط اليقين في التّصوّر، والقطع والتّصديق، من دون إخضاع ذلك للعقل القاصر عن معرفة الحقيقة. كان لابدّ من اللّجوء إلى المصدر الذي يتكفّل بالقيام ببثّ اليقين، وزرع الطّمأنينة في القلب، محلِّ الاعتقاد، فالعقيدة ليست كالأشياء الماديّة والمحسوسة، التي تخضع للعقل، ويحتكم النّاس إليه لتصوّرها، وتقدير قيمتها، وبَعْدَها الاستجابة لما تشير به، أو تدعو إليه. فالعقيدة لا يصلح لضمان سلامتها من الزّيغ والانحراف سوى الوحي الصّادق، الذي جسّده القرآن الكريم: "لا منهج في باب العقيدة إلاّ منهج الله تعالى في كتابه الكريم."(1)
هذا التّحديد لمصدر استقاء العقيدة، ومعرفة حقيقتها وتشرّبها، يؤصّل وصف القرآن الكريم بأنّه كتاب عقيدة، ويؤكّد سلامة منهج الشّيخ بيّوض في درس العقيدة؛ باعتماده على القرآن أساسًا في عمليّة العرض.
7 - عدم إلزام المؤمن اعتقاد رأي معيّن، يعدم الدّليل القاطع: منهج الشّيخ بيّوض يقوم على التّحديد والتّأسيس والتّأصيل للعمل الصّحيح، في هذا السّبيل يشدّد على عدم إلزام المؤمن اعتقاد رأي ليس فيه دليل قاطع، كما ينكر تخطئة من اعتقد رأيًا مخالفًا، من دون دليل قاطع أيضًا؛ حرصًا منه على تحصين العقيدة من الانزلاقات والولوج بها في التّرهات والزّج بها في المتاهات، فهو يردّد في المسائل التي هي من هذا النّوع: المسألة ليست مسألة اعتقاديةّ. سجّل هذا القول وهو يعرض وجهات نظر بعض المفسّرين والعلماء في مسألة تفضيل بني آدم على كثير من مخلوماته، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم … وفضَّلناهم على كثير ممّن خلقنا نفضيلاً﴾ (الإسراء/ 70).
بعد أن ذكر الفرق بين التّكريم والتّفضيل .. وفصّل في مفهوم خلافة الإنسان الله في الأرض، وما قدّمه العلماء في دلالة الخلافة … كما جاءت في الآية: 30 من سورة البقرة .. قال: " … ولا يمكن أن يعتقد في شيء من هذا، إلاّ إذا كان هنالك دليل، ولا دليل قاطع على أنّ الملائكة خير من بني آدم، أو
(1) - في رحاب القرآن، ج9، (تفسير سورة العنكبوت)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه/ 2001م، ص: 105.