سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٢٥أنّ بني آدم خير منهم. هنالك بعض أشياء، قد يستند إليها كلٌّ من الفريقين، ويحتجُّ بها، ولكنّها كلَّها فابلة للنّقد. ومن الغريب في الأمر أنْ يكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا في سألة ليست اعتقاديّة. "(1)
مثال ذلك - أيضًا – ما عَرَضَ له الشّيخ بيّوض في مسألة عَرْضِ الأمانة على السّموات والأرض والجبال والإنسان، فبعد أن سرد بعض الرّوايات التي فصّلت القول في الموضوع، تحرّج وتوقّف عن تصديقها، وأرشد إلى عدم الخوض في مثل هذه المسائل والمغامرة بالرّأي الذي قد يقوّل على الله ما لم يقل. فالابتعاد عن التّأويل أسلم، إلاّ إذا جاءنا شيء عن طريق الوحي. قال السّيخ بيّوض في شأن هذه الأمانة، وهي غيب: "ولكنّ هذه الأمور كلّها غيبيّة، والأمور الغيبيّة لا يقال فيها بالرّأي، فلو ثبت عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - شيء صحيح لقبلناه على الرّأس والعين، ونفوّض الأمر إلى الله، ولكن ليس هناك تفسير عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عن هذا العرض، ولا عن زمانه، ولا عن كيفيّته، فكلّ ما قاله النّظّار في القرآن والمفسّرون، من عهد الصّحابة رضي الله عنهم إلى اليوم، كلّه تخمين. وإذا كان الأمر كذلك يكون الرّاجح هو الرّجوع إلى التّمثيل."(2)
كثيرُا ما يردّد الشّيخ بيّوض عبارات في هذا المعنى، كقوله: " … وعلى كلّ فهذا أمر غيبي، ليس لنا عليه دليل … "(3). وقوله: " … وإذن لا يدرك أمر الدّين إلاّ بالوحي"(4) …
أكّد على هذا المعتقد في تعليقه على ما روي عن حقيقة عذاب أبي طالب، وما تنال نار جهنّم منه، سرد الرّواية التي نصّت على أنّه أقلّ أهل النّار عذابًا يوم القيامة؛ إذ يقف في ضحضاح من النّار، يغلي بها دماغه أبد الآبدين، قال: " … فكان جزاؤه أن يخفّف الله تعالى عنه العذاب، لا أن يرفع عنه العذاب؛ لأنّه مات مشركًا، هذا ما ورد، والعلم عند الله، وليس هذا بالعقيدة التي يجب أن نعتقدها، وإنّما الذي نعتقده أنّ أصحاب النّار هم دركات، وعذابهم متفاوت، كما أنّ أصحاب الجنّة درجات، ونعيمهم متفاوت. وهذا هو العدل المطلق، وهذه هي موازين القسط التي قال عنها الله تعالى … "(5)
(1) - في رحاب القرآن، ج1، (تفسير سورة الإسراء) ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1430هـ/ 2009م، ص: 74. ينظر تفصيل الشّيخ بيّوض في المسألة وبسطها وتحليلها، المصدر السّابق، ص: 71 – 81.
(2) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمغيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1424ه/ 2003م، ص: 695. ينظر نماذج من هذه التّنبيهات الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 80.
(3) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 244.
(4) - المصدر السّابق، ص: 246.
(5) في رحاب القرآن، 18، (تفسير سور الدّخان ـ الجاثية ـ الأحقاف ـ محمد)، المطبعة العربيّة، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، الفرارة، الجزائر، 1430ه/ 2009م، ص: 331.