سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٢٩

في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: ﴿ … وللّه جُنُودُ السّمَواتِ والاَرْضِ وكانَ اللهُ عليمًا حَكِيمًا﴾ (الفتح: 4) وعلى قوله: ﴿وللّه جُنودُ السَّمَوَاتِ والاَرْضِ وَكَانَ اللهُ عزيزًا حكيمًا﴾ (الفتح:7) ، وفي بيانه الفرق بين (عليمًا حكيمًا، وعزيزًا حكيمًا) قال: " ممّا يدخل في علم الله تعالى دخولاً أوّليًّا أنّه يعلم حيث ينزل سكينته، كما يعلم حيث يجعل رسالاته، فهو وحده يعلم القلب الذي يستحقّ أن ينزل عليه سكينته، حتّى يعيش مطمئنًّا مستسلمًا لأمر الله، راجيًا ما عنده، وقواعد الإسلام أربع: العلم والعمل والنّيّة والورع، وأركانه أربعة: الاستسلام لأمر الله، والرّضا بقضاء الله، والتّفويض إلى الله، والتّوكّل على الله، وإنّها لأركان حقًّا"(1).

" عقّب الله تعالى بهذه الآية الكريمة (رقم: 7) إثر الكلام على تعذيب الكفّار والمنافقين الظّانين بالله ظنّ السّوء، الذين قالوا: إنّ الله لن ينصر عبده ووليّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولن يهزم أعداءهم. ولكنّه نصرهم نصرًا مؤزًّرًا، فهذا المقام مقام عزّة؛ ولذلك قال: ﴿وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ … قرن الحكمة مع العليم أوّلا، ثمّ قرنها مع العزيز ثانيًا، فالله تعالى قويّ حكيم، يضع الأشياء في مواضعها، يعلم من يستحقّ النّصر فينصره، ومن يستحقّ الكسر فيكسره، وكلّ شيء بقضائه وقدره، ولكنّ القضاء والقدر يجريان بالحكمة، فلا شيء من أمر الله يحدث صدفة واعتباطًا، وإن كانت الأشياء تبدو لنا نحن وكأنّها تقع مصادفة؛ لأنّنا لا نرى إلاّ أسبابها الظّاهرة، وأمّا حقائقها فنجهلها، ولا نعلم عنها شيئًا."(2)

الغاية من درس العقيدة هو ترسيخ الإيمان في القلب، لينتج عملاً صالحًا، وسلوكًا طيّبًا؛ لذا كان منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يرتكز على الوحدانيّة، وبيان مفهومها، والتدرّج مع المخاطب إلى أن يصل معه إلى إدراك حقيقتها. هده العمليّة تبلغ به إلى الاعتراف بقدرته المطلقة، ثمّ تنتقل به إلى تفويض الأمر إليه، والخضوع لإرادته … قال الشّيخ: "والغرض من التّفكير في خلق الله، هو الوصول إلى الحقيقة الكبرى، إلى حقيقة الحقائق، وهي أنّ لهذا الكون - علويّه وسفليّه، وللمخلوقات جميعها – خالقًا مدبّرًا حكيمًا واحدًا لا شريك له. مريدًا فعّالاً لما يريد، عليمًا بكلّ شيء؛ لأنّه خالق كلّ شيء ﴿ألاَ يعلمُ من خلقَ وهو اللّطيف الخبير﴾ (الملك/ 14"(3)

تفويض الأمر إلى الله من شروط الإيمان، لذا لمّا تعجّب الصّحابة من قوله تعالى: ﴿ … الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ … ﴾ (الفرقان: 34) وسألوا الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عن كيفيّة مشي الأشقيّاء على

(1) - في رحاب القرآن، ج19 (تفسير سورة الفتح)، ص: 235.

(2) - المصدر السّابق، ص: 238، 239.

(3) - في رحاب القرآن، ج18، (تفسير سور: الدّخان ـ الجاثية ـ الأحقاف ـ محمّد)، ص: 173.

٢٨ / ٦٣