سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٣٠وجوههم، إذ بدا هذا غريبًا، قال لهم: " الذي قدِرَ أن يمشِّيهم على أرجلهم قادرٌ أن يمشِّيهم على وجوههم "(1) أي إنّ الله قادر على كلّ شيء، فلا غرابة فيما نصّ عليه، أو أورده في الآية.
أجاب الإجابة نفسها، حين سأل الصّحابة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - السّؤال ذاته، حول قوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النّار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر﴾ (القمر/ 48)، ثمّ قال: " الجواب بسيط جدًّا، القصد به تفويض الأمر إلى الله. ولنقل مثل هذا، ولنفوّض الأمر إلى الله تعالى"(2)
يعلّمنا الشّيخ بيّوض درسًا؛ بدعوته لنا وجوبَ التّسليم بما ورد من أخبار عن عالم الغيب، وإن خالفت مألوف النّاس في حياتهم ومشاهداتهم … ؛ لأنّ قوّة الله لا حدود لها، وإرادته ليس لها رادّ، ومشيئته لا منقض لها، فما على المؤمن إلاّ أن يفوّض الأمر إلى صاحب القوّة والإرادة والمشيئة فيما جاء عن دليل قطعي، عن طريق الوحي. عقّب ووضّح الشّيخ بيّوض إخبارَ الله - عز وجل - بأنّ المؤمنين يتحلّون يوم القيامة بأساور من ذهب قائلاُ: "فلا ننكر إذن هذا لأنّنا لم نفهمه، أو لم نألفه، وأحكام تلك الدّار ليست كهذه"(3)
علّق الأستاذ صالح حمدي على المقدّمة التي قدّم بها الشّيخ بيّوض تفسيره سورةَ القصص بقوله: "وجّه الشّيخ في هذه المقدّمة العقول إلى تدبّر المحور الذي تدور حوله السّورة؛ مستنتجًا إيّاه ممّا جاء فيها من آيات، خاصّة قصّتي فرعون وقارون، اللّتين استغرقتا حيّزًا لا بأس به من السّورة. هذا المحور هو موضع الاعتبار والادّكار، إنّه ترسيخ الإيمان بالقدرة الإلهيّة، ونفوذها المطلق في الكون، والتّذكيرُ بهذه الوحدة الموضوعيّة للسّورة له أثر بالغ في إجلاء وتثبيت قضايا العقيدة، وقضايا الإسلام (؟) عامّة."(4)
2 – التّركيز على الإيمان قاعدة في المنهج
قاعدة الإيمان إحدى مرتكزات منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، فالإيمان هو الذي يبعث على إقرار الوحدانيّة لله، ويدعو إلى تفويض الأمر إليه، كما يضمن اتّزان شخصّيّة المؤمن في الحياة. إنّه رأس مال المؤمن، فمن ضيّع إيمانه، خسر خسرانُا مبينًا، خسر آخرته التي إليها مآبه ومآله ومثواه الأخير والدّائم. هو مثل التّاجر، إذا خسر رأس ماله خسر كلّ شيء. بيّن الشّيخ هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: ﴿ … والذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِالله أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ (العنكبوت: 52) وصف الله الكافرين بالخاسرين؛ لأنّهم خسروا رأس المال: "ورأس المال هو إيمانك، والرّبح الأوّل للإنسان المكلّف
(1) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 124. ينظر صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنّم)، حديث 4482، 4/ 1784. والطّبري، جامع البيان، مج8، ج19، ص: 9 ..
(2) - في رحاب القرآن، ج2، (تفسير سورة الكهف) ط2، ص: 259.
(3) - في رحاب القرآ ن (تفسير سورة الكهف)،، ص: 175. ينظر الفكر العقدي، ص: 88.
(4) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام بيّوض، ص: 66.