سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٣١إنّما هو إيمانه دائمًا، ومن احتفظ برأس ماله لا يسمّى خاسرًا … ولما كان الإيمان هو رأس المال، فإنّ كلّ من كفر فهو خاسر؛ لأنّه ضيّع رأس ماله الأوّل الذي يثبت بقاءه في النّعيم يوم القيامة."(1)
يقول حمّو الشّيهاني: "إذا كان المبدأ الإيماني هو الدّافع لقيام الشّيخ بيّوض بعمله الإصلاحي، فإنّ انطلاق العمليّة الإصلاحيّة من ترسيخ الإيمان في القلوب يشكلّ الوسيلة الفعّالة لتحقيق هذا الإصلاح، ذلك لأنّ إصلاح المجتمع يستلزم إصلاح أفراده؛ باعتبارهم لبناته الأولى التي يقوم عليها بنيانه، ومفتاح الصّلاح النّفسي والخلقي لهؤلاء الأفراد شيء واحد هو الإيمان(2) وقد اهتدى الشّيخ بيّوض للانطلاق من القاعدة الإيمانيّة في مختلف مجالاته الإصلاحيّة، معتقدًا ضرورة هذا المنهج، إذ يقول: "كان لزامًا علينا أن نعود، فنبدأ بما بدأ به الرّسل إلى الدّعوة إلى الإيمان، وتقريره في القلوب من جديد، [وتحصين القلوب من ان يتطرّق إليها شكٌّ، يتحوّل إلى بعد ذلك إلى إلحاد صريح .... ](3) لأنّ الإيمان الصّحيح إذا رسخ في القلب فاض في واقع الحياة، وتجلّى في كلّ المجالات."(4)
إنّ قاعدة الإيمان مرتكز مهمّ في منهج الشّيخ بيّوض، يُكثر الحديثَ عنه، إمّا للتّأسيس لعمله التّربوي والإصلاحي، أو للتّأصيل لنشاطه وحركته، أو للإقناع بأهميّة هذا الجانب وضرورته، أو لبيان أنّه العنصر الأساس في إنشاء الحياة المستقرّة السّويّة، أو للتّذكير بما قد يُنسى، أو للتّنبيه إلى أخطاء تنجم من سوء فهم قضايا الإيمان، أو الانحراف في توظيف الإيمان في السّلوك.
يطيل الشّيخ الحديث في قضايا الإيمان بخاصّة، إذا أحسّ فيها من مخاطبيه الشّكّ؛ تأثّرًا بالأفكار الوافدة، وقد يصرّح الشّيخ بهذه الطّريقة. من ذلك قوله، بعد طول بيان في موضوع (تزيين سوء العمل للإنسان): "هكذا إنّما أطلت في هذا البيان لنحذر من طبقة الملاحدة، وطبقة الشّباب المنحرفين، الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا؛ بإنكار الألوهيّة، وإنكار البعث، وبالسّخريّة من شعائر الدّين، ومن المتمسّكين بها، ويظنّون أنفسهم العقلاء، وغيرهم الجهلة المغفّلين، إذ لا يؤمنون بما لا يرون، ويصدّقون بما لا حقيقة له. على أنّ الله تعالى وصف المؤمنين أوّل ما وصفهم بقوله: ﴿الذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ … ﴾ (البقرة:3)؛ لأنّ ما في العالم من الغيوب شيء لا يُعدُّ ولا يُحصى … "(5)
ما يؤكّد أهميّة قاعدة الإيمان وكونها مرتكزًا أساسًا في منهج الشّيخ بيّوض، أنّه كان يحرص على استخلاص العبر من القصص القرآني، الذي يحكي عن الأنبيّاء والرّسل، ولا يغفل عن توجيه الأنظار إلى
(1) - في رحاب القرآن، ج9، (تفسير سورة العنكبوت)، ص: 228، 229.
(2) - الدّكتور بوسف القرضاوي، الإيمان والحباة، ص: 318.
(3) - في رحاب القرآن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، ص: 177.
(4) - الفكر العقدي عند الشّيح بيّوض، مرجع سابق، ص: 294.
(5) - في رحاب القرآن، ج 18، (تفسير سور الدّخان ـ الجاثية ـ الدّخان ـ الأحقاف)، ص: 485.