سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٣٢مواطن الإيمان في مواقفهم؛ قصدًا إلى إصلاح النّفوس، وتهذيب الطّباع، وتقوية الرّوابط بالعروة الوثقى، وتمتين العلاقة بالرّبّ الخالق الجبّار … يقول صالح حمدي: " … فكان الشّيخ كلّما تطرّق إلى قصّة نبيّ من أنبيّاء الله تعالى، أو وليّ من أوليائه، إلاّ وأردفها ببيان رسوخ إيمانهم، وشدّة صلتهم بربّهم، وحسن توكّلهم عليه؛ ممّا أثمر فيهم سلوكًا قويمًا"(1)
نسجّل في هذا الموضوع الملاحظة الآتيّة: إنّ الشّيخ بيّوض تمكّن من التّنبيه إلى أشياء خفيّة ودقيقة في موضوع العقيدة وحقيقتها؛ لترسيخ الإيمان في القلب، وتثبيت صفة التّذلّل والخضوع لله، وإبراز وحدانيّة الله وتفرّده بالعظمة، من خلال التّصرّف المطلق في خلقه، والتّفرّد بحكمة تسيير الأمور، وجعل ما يشاء في الدّنيا، وما يريد في الآخرة. يمكن إدراك هذه الملاحظة؛ بالرّجوع إلى تفسيره أوّلا، ثمّ دروسه وتوجيهاته وفتواه ثانيًّا .. وقد تكون له خصوصيّة في هذا المجال .. وربّما أساء فهمه بعض الذين لم برتفعوا بعقولهم إلى مستوى من الفهم العالي لحقائق الإسلام .. أو لأنّ بضاعتهم فيها ليس بالكبيرة والمؤصّلة .. أو لتفسير آخر، يرجع إلى طبيعة من ينتقده في بعض تحليلاته واجتهاداته …
عن عدل الله المطلق في الآخرة وبيان أثر الإيمان به، عقّب الشّيخ بيّوض على قول الله تبارك وتعالى وهو يعرض حال الكفّار يوم القيامة، بعد أن رأوا مصيرهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ منِّي لأَمْلأَنّ جَهَنَّمَ مِنَ الحِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (السّجدة: 13)
"وقبل أن يجيبهم الله تعالى الجواب المسكت المفحم، عجّل بكلمةٍ، أظهر فيها سلطانه وقهره وجبروته، وأنّ كلّ شيء يكون بإرادته، إذ ربّما يسبق إلى ذهن إنسان أنّ الكفرة عصوا ربّهم – حاشاه – رغمًا عنه، وأنّه لم يقدر على أن يحملهم على الإيمان، رغم قيام الحجج بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، وتمييزهم بالعقل، مع ما في صدورهم من الفطرة، التي فطر النّاس عليها، ولهذا عجّل بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا … ﴾
لو شئنا لحملنا كلّ واحد على اتّباع طريق الهدى، ويجبر على ذلك جبرًا، ولكنّ حكمة الله اقتضت أن يخلق خلقًا مكلّفين، ويمكّنهم من الاختيار المطلق لما يريدون، ولكنّه يعلم ما سيختاره كلّ واحد منهم، ومن سيهتدي أو يضلّ، ولو شاء لانتزع من قلوبهم الشّهوات، فلا يكونون إلاّ مهتدين كالملائكة، ولو شاء لساقهم إلى ما يريد منهم بالغريزة والإلهام كالبهائم. فكثيرًا ما يفهم البعض هذا المفهوم، وكأنّ فيه نوعًا من الظّلم، ولكنّه يستسلم على أنّ هناك ما يمكن أن تطمئنّ إليه النّفس من التّعليل …
(1) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 55.