سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٣٥

نظرٌ حقيق، وفهم عميق، وتنبيه دقيق، وتوجيه هادف، واستثمار جيّد لكلام ربّ العالمين، هذا ما يمكن تسجيله في تحليل الشّيخ بيّوض لما ورد في الآية عن القلب ـ المتحكّم والموجّه لحياة الإنسان. تحليل لُبِّ ما حاء في الآية لِلُبِّ ما في جسد الإنسان، بَيَّنَ اللُّبَّ الذي تسعى كلّ التّشريعات الرّبانيّة إلى تركيزه في لُبِّ المؤمن، إنّه الوحدانيّة. هذا ما وصل إليه الشّيخ بيّوض من استقصاء القول في الآية، وهو تحليل وتفصيل لا يستطيعه، ولا يأتيه إلاّ من أوتي قدرة على النّفاذ إلى عمق الدّلالات، ومن يحذق الغوص إلى المعاني الدّقيقة. لِهذا البسط والتّحليل، عددنا القلب أحد مرتكزات الشّيخ بيّوض في منهجه في عرض العقيدة.

4 – التّركيز على المسائل العقديّة التي لها تأثير في السّلوك

ركّز الشّيخ بيّوض في درس العقيدة على المسائل التي تؤثّر في السّلوك، وبخاصّة ما يعين على الاستقامة وتصحيح المسيرة، والالتزام بشرع الله. نلاحظ في هذا السّياق أصالته في التّناول والمعالجة والتّوجيه؛ بالابتعاد عن اتّباع سَنَن من سبقه، إذا وجد عدم الجدوى في أساليب تناولهم الدّرس العقدي، أو رأى عدم استجابة المناهج المتّبعة لأهدافه الإصلاحيّة والتّربويّة، فهو كان يتّجه مباشرة إلى صلب الموضوع، ولا يبقى في حدود التّعريفات العقيمة، ولا يضيف إليها ما يعقّد من أساليب تلقين العقيدة، إلاّ ما يراه ضروريًّا، ويخدم العمليّة التّربويّة بما يناسب الظّرف، وينسجم مع مدارك المخاطبين.

قدّم الأستاذ حمّو ملاحظة مهمّة عن هذا المنهج: " … ودعاه هدفه الإصلاحي إلى عدم التّقيّد بما انضاف إلى التّعريفات من قيود. فلم يؤلّف الشّيخ كتابًا في العقيدة لترتيب مسائلها، وضبط تحديداتها، وصناعة الرّدود على المخالفين فيها، إنّما كان هدفه الإصلاح الشّامل، توسّل إلى تحقيقه بتفعيل العقيدة، وتحريك الإيمان في القلوب؛ ليقينه بأنّ ذلك أحسن طريقة لتخطّي العقبات الكؤود، وتحطيم الحواجز الوهميّة، التي كان للتّراث العقدي دور كبير في نصبها، فحالت بين العبد وبين بلوغ العديد من مقاصد الدّين، منها الوحدة الإسلاميّة."(1)

هذه الملاحظة تبيّن جانبًا مهمًّا في منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، وتفصح عن نقط الارتكاز في عمله، التي يتبنّى منهجًا وهدفًا في آن واحد، كما تبرز شخصيّته المتميّزة. وتسوق إرشادُا لطريقة التّعامل مع مسائل العقيدة، لتؤتي نتائجها التّربويّة والتّكوينيّة. إلى غير ذلك من الفوائد والثّمار التي يمكن جنيها من منهج الشّيخ بيّوض؛ بإدراك هذه الملاحظة، وتبنّي هذه الطّريقة في عرض العقيدة ..

لا يكتفي الشّيخ بيّوض بالمسائل العقديّة التي لها علاقة بالسّلوك في عمومها، بل كان يهتمّ كثيرًا بما له علاقة بالجانب التّعبّدي، وما له صلة بالحياة الواقعيّة، وكان يضفي على معالجاته وتحليلاته المسحة الواقعيّة من خلال ربطها بما عايشه من أحداث، وما خبره منها وكان طرفًا فيها، أو حدثت في عهده،

(1) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 127.

٣٤ / ٦٣