سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٣٩

في التّعامل مع الرّوايات التي ساقها المفسّرون عن القصص القرآني. فتصنيفه لهذه الرّوايات - أو ما استنتجه الأستاذ صالح – يدلّ على قوّة منهج الشّيخ في عرض العقيدة في هذا الموضوع، أو هذه الوسيلة (وسيلة القصّ)، المنهج الذي يقوم على عرض الرّوايات على ميزان الشّرع، ثمّ تحكيم معايير موضوعيّة دقيقة فيما لم يخالف الدّين.

لينصف الأستاذ صالح حمدي الشّيخ بيّوض قدّم تلك الملاحظة؛ ليدفع عنه شبهة قد تلصق به، والتي قد تأتي من الفهم السّقيم، أو المبتور عن السّياق: "ومع إيمانه العميق بأنّ قصص القرآن أهمّ وسيلة لتقرير العقائد وتثبيتها، وإصلاح النّفوس من خلالها، إلى جانب ذلك قناعته الرّاسخة بأنّ القرآن لا يتناول من الأخبار إلاّ ما فيه العبرة، فالأفضل لدى المؤمنين به عدم الخوض فيما سكت عنه."(1)

في موضوع الإسرائيليّات التي تصدّى لها الشّيخ، بنيّة ردّ الشّبهات، وتصحيح المفهومات، وترشيد التّأويلات؛ لتنقية العقيدة ممّا يشينها، وبخاصّة ما يتعلّق بحياة الأنبيّاء والرّسل قال عن قضيّة داود - عليه السلام - والخصمين، التي تعدّدت فيها الرّوايات واختلفت، وشابتها وشانتها الإسرائليّات: " لا يجوز أن تذكر أو تروى إلاّ لردّها ودحضها؛ لأنّ فيها طعنًا في النّبوّة والرّسالة، واتّهامًا للأنبيّاء والمرسلين، بما لا يليق بهم كبشر معصومين."(2)

من النّقط التي تناولها الشّيخ بيّوض في موضوع ردّ الشّبهات وتوضيح المفهومات - قصد تصفية العقيدة ممّا يشينها فيستقيم العمل- بيانُ المدلول الحقيقي للألفاظ التي قد تحتمل معاني كثيرة، مع تأصيل ما يتبنّاه، واستيحائه أو تقريره ممّا وعاه من روح الشّريعة ومقاصدها؛ هادفًا بذلك إلى منع التّلاعب بالدّين، وإبعاد الفهم السّقيم لأحكام الشّرع، ونبذ التّأويل الخاطئ لآيات القرآن، التي تتضمّن مفهومات خاصّة. من هذه المفهومات "عدم اشتراط دخول العمل الصّالح في مفهوم الإيمان" يقول الشّيخ: " … أمّا مفهوم كلمة (إيمان) هل يدخل فيه العمل الصّالح أم لا؟ فهذا لا يهمّ، ولو كان محلّ نزاع، فهناك بعض الآيات تدلّ على أنّه دخل في مفهومه العمل الصّالح، وبما أنّ الله تعالى يعطف العمل الصّالح دائمًا على الإيمان، قال بعض: إنّ العمل الصّالح غير داخل في مفهوم الإيمان.

ولكن كلّ هذا لا يضرّ، وإنّما الذي يضرّ، والذي لا يجوز أبدًا، ويعتبر مروقًا من الملّة والشّريعة، أن يعتقد أحد أنّه يجازى على عقيدة قلبه، وإن لم يعمل العمل الصّالح، الذي يجب عليه شرعًا. هذا الذي يخالف ما في القرآن، من فاتحته إلى خاتمته، ومخالف لكلّ ما ورد في الحديث."(3)

(1) - المرجع السّابق، ص: 82 ..

(2) - في رحاب القرآن، ج15، تفسير (سورتي ص والزّمر)، ص: 71.

(3) - في رحاب القرآن، ج4، (تفسير سورتي الأنبيّاء والحجّ)، ص: 217، 218.

٣٨ / ٦٣