سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٤٠

توضيح مهمّ، وتدقيق ضروري، وتوضيح واجب؛ لتقديم الدّين للنّاس كما جاء به الوحي، لتجنيب الرّكون إلى مفهومات خاطئة، تضلّل النّاس، وتخدع النّفوس، وتغرّر بالبسطاء، أو تلقي بأصحاب الأهواء إلى التّهلكة.

عرض الشّيخ بيّوض لمسألة أخرى تتعلّق بعلاقة العلم بالإيمان، فردّ على من يحاول تضليل النّاس؛ بافتعال التّنافر بين العلم والإيمان، والدّعوة إلى الاحتكام إلى العلم، دون سواه في مجال المعرفة، وعدّ ما ثبت بالمحسوس والملموس والتّجريب علمًا، وغيره لا اعتراف به. وقد استبعد هؤلاء من تفكيرهم ومناهجهم ما هو غيب، ومنه ما يدخل في صميم العقيدة.

نبّه الشّيخ إلى أنّ هذه مغالطة، بل هي بلادة، وأفن في الفكر، وعطن في العقل، فليس العلم الصّحيح خصمًا للدّين ولا للعقيدة، بل هو داعم للإيمان، إذا سُلكت في طلبه وتوظيفه المسالك الصّحيحة، من المنهجيّة العلميّة. بل من الفطرة الصّحيحة أن يعترف العلم بقصور العقل عن إدراك كلّ الحقائق، منها بعض مسائل العقيدة، التي هي غيب، يجب على العلم أن يحترمها؛ بعدم الولوج إلى حرمها والبحث في تفصيلاتها ودقائقها … يقول الشّيخ بيّوض: " قد يقول: إنّ كثيرًا من العلماء ألّهوا العلم وكفروا بالله، فنحن نسمّي هؤلاء بلداء العلماء، إذ دعاهم العلم إلى الإيمان - شاؤوا أم أبوا - فكفروا وألحدوا، وسلكوا مسلك الدّهريّين الذين يقولون: (الأرحام تدفع والأرض تبلع)، وإنّه ليس للإنسان حياة أخرى غير هذه الحياة الأولى. وقالوا: مثل ما قال الأوّلون، كما نصّ تعالى على ذلك بقوله: ﴿كذلكَ قالَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوِلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهًمْ قَدْ بَيَّنَا الآياتِ لِقَوِمٍ يُومِنُون﴾ (البقرة: 118)، ولكنّ الآيات تثبت أنّ العلم يدعو إلى الإيمان، وأنّ العلماء الحقيقيّين يدخلون محراب الإيمان في كلّ يوم. فنحن نرى إذن تحقّق هذا الوعد، وسيتحقّق أكثر، وما يدرينا ما يكون بعد."(1)

في هذه النّقطة، يوجّه الشّباب المتعلّمين الباحثين، الذين يجرون وراء الحقيقة، ويحذّرهم من مغبّة الانزلاق؛ بسبب هذه النّزعة: " وإيّاكم أن تتورّطوا فيه ()، ويقول أحدكم: أنا باحث، وأريد أن أقتنع، ويراه بعينه، ويشمّه بأنفه، ويذوقه بلسانه، أمّا ما وراء هذا فلا يؤمن به. ولا يزال مثل هؤلاء يطلبون الدّليل إلى ما لا يمكن التّوصّل إليه إلاّ عن طريق الوحي، الذي لا يؤمنون به."(2)

بعد عرض بعض الجزئيّات في منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، نسأل ماذا يميّز هذا المنهج؟؟

(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تقسير سورة الفتح)، ص: 330.

(2) - في رحاب القرآن، ج17، (تفسير سورتي الشّورى والزّخرف)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1429ه/2008م، ص: 576.

٣٩ / ٦٣