سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٤٢ويقول في شأن الكفرة الذين لا يتدبّرون آيات الله في الكون، ولا آياته في الكتب المنزّلة: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرونَ القرآنَ أَمْ علَى قُلوبٍ اَقْفالُها﴾ (محمّد: 24). ويقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: 179). والآية صريحة في نسبة الفقه إلى القلب، والفقه هو الفهم الدّقيق، وليس الفقه مرادفًا للفهم فقط، فالفهم يكون حتّى في الأمور البسيطة، كان تقول: 2× 2= 4. أمّا كلمة الفقه، فلا تقال إلاّ في الأمور الحفيّة الدّقيقة؛ ممّا يحتاج إلى إمعان نظر، وتدبّر عميق."(1)
2 - الشّموليّة
" إذا كانت الشّموليّة تعني التّكامل بين عناصر الإيمان، كالتّصديق والعمل، فإنّها تعني من العمل مفهومه الواسع الشّامل للجانب العبادي والحياتي"(2) في هذا المعنى، ولبيان مكوّنات الإيمان، وحقيقته التي يجب أن تدرك بدقّة؛ ليكون السّلوك سويًّا في الحياة، أكّد الشّيخ بيّوض على الشّموليّة التي تمسّ كلّ حركات الفرد من دون استثناء، فيرتبط التّصديق القلبي بالعمل في كلّ المجالات والحالات والمواقف والظّروف، وحيث يكون الإنسان … لأنّ الدّين كما يقول الشّيخ: " كلٌّ لا يتجزّأ، بدءًا من أصول العقيدة في أعمال القلب، إلى أقلّ عمل يصدر من جارحة من الجوارح، فالدّين عقيدة وقول وعمل."(3)
الشّموليّة تعني العمل للدّارين، ابتغاء الآخرة وعدم نسيان الدّنيا، في توازن بين الجانبين الرّوحي والمادّي، لضمان عمارة الأرض، وتحقيق عبادة الله، بما يخدم الحياتين: الدّنيا والآخرة. فالشّموليّة تحقّق قوّة الإسلام، وتحفظ التّوازن في الحياة. في هذا السّياق يؤكّد الشّيخ بيّوض أنّ الإسلام يرفض الرّهبنة والإعراض عن الدّنيا، والإحجام عن العمل، بل إنّ الإسلام القويّ يريد أن يكون إيمان المسلم دافعًا له كي يكون قويًّا في الجانبين الرّوحي والمادّي. وإنّما: " … كلّ شيء له وقته، إنّما الإنسان المنظّم يجعل وقتًا للمسجد، لله تعالى في أوقاته المعتادة المعيّنة، ووقتًا للعمل معيّنًا، لا يضيّع هذا ولا ذاك … فلا يخدم الآخرة إلاّ من خدم الدّنيا، ولا يخدم الدّنيا إلاّ من خدم الآخرة … والدّنيا والآخرة لا تتزاحمان إلاّ عند البلداء السّخفاء"(4)
الشّموليّة تدعو المسلم كي يقيم الدّين ويعمر الأرض، كما أمر الله تعالى، وكما تقتضي حكمته من خلقه وإنشائه، كما تساعد على النّشأة القويّة التي تقي من الهزائم. مثلا يذكر الشّيخ بيّوض أن من أسباب هزيمة المسلمين أمام اليهود، (منها حرب حزيران 1967م) فَقْدَ الشّموليّة في حياتهم، التّقصير في
(1) - في رحاب الله، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 143، 144.
(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 107.
(3) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 96.
(4) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 125، 126 ..