سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٤٣

شؤون الدّنيا وأمور الدّين معًا. يقول: " … وقد نصر علينا اليهود، وهم أخبث خلق الله، وهو الذي يعلم لماذا نصرهم، وعلينا أن نتساءل ونتدبّر الحكمة، ولكنّنا لا نستطيع أن نردّ الأمر إلاّ إلى تقصيرنا في الجانب الدّيني والدّنيوي … فعلينا أن نجمع بينهما معًا، فنعدّ ما استطعنا من القوّة، حتّى القوّة النّوويّة مع الاعتماد على الله أوّلاً وأخيرًا."(1)

إذن إنّ " شموليّة الدّين تستغرق تصوّرات المسلم وقواه الرّوحيّة والماديّة وواقعه وتوقّعاته؛ لأنّ علّة وجوده تحقيق العبوديّة لله، فالدّين ليس مجرّد أفكار أو شعور، بل هو يعني التّحرّك به في واقع الحياة اليوميّة."(2) هذا ما بيّنه الشّيخ بيّوض في كلّ ما تحدّث به في دروسه، وطبّقه في كلّ ما قام به من نشاط وعمل إصلاحي وتربوي.

3 – الواقعيّة

" خاصيّة الواقعيّة تمكّن المتلقّي من استيعاب معاني العقيدة الإسلاميّة، واكتساب آثارها العمليّة، فيتجاوز بذلك مرتبة رسم حدودها، وصياغة الرّدود فيها … ومن المؤلّفات المندرجة ضمن هذا المنحى كتاب عقيدة المسلم للشّيخ محمد الغزالي، الذي علّق على نتائج واقعيّته أحد الدّارسين قائلاٌ: (نتيجة لهذه الواقعيّة الثّقافيّة، لا تبرز العقيدة في الكتاب – لقارئه من خلاله – عناصر محدّدة واضحة الأبعاد؛ رغم أنّه عالج عامّة مسائلها، ولكنّ تداخلات المعالجة الواقعيّة كانت تطغى أحيانًا، وهذا يغذّي القارئ بالعقيدة مشاعر فيّاضة، وإن لم تتّحد في فكره على شكل أنساق علميّة. "(3)

أ - إنّ الشّيخ يتوخّى الواقعيّة في تقديم درس العقيدة، وبخاصّة حين يكون في موقف التّنبيه والنّصح والتّحذير من العواقب الوخيمة من سلوك شائن، أو تصرّف يخدش العقيدة، أو يمسّ الإيمان. كما فعل في موضوع خطر الصّحبة الفاسدة، التي تزيّن ارتكاب الفواحش، واقتراف المعاصي … فضرب مثلاً بما قام به، وهو ينصح شخصُا، ويدعوه ليكفّ عن شرب الخمر، فذكر له هذا الشّخص أنّ بدايته الأولى كانت كأسًا، تناولها إثر مجالسته رفقاء السّوء، وبطانة الشّرّ، واستحيائه أو خجله من عدم مشاركته هذه الشّلّة الشّراب المحرّم، فخاطبه الشّيخ؛ مبيّنًا له سوء العاقبة من هذا السّلوك، إن لم يبادر إلى التّوبة، مركّزًا في حديثه معه على عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. قال الشّيخ لهذا الشّخص: " وهل هناك من هو أعظم من الله! وقد حرّم عليك الخمر؟ أتتجرّأ على ربّك أخذًا بخاطر من جالسته؟ ولو كان ملكًا أو رئيسًا؟ وهل يعقل أن

(1) - في رحاب القرآن، ج10، (تفسير سورة الرّوم)، المطبعة العربيّة غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه / 2001م، ص: 25. ذكر الشّيخ بيّوض هذه الملاحظة سنة 1968م.

(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 111.

(3) - المرجع السّابق، ص: 124. ينظر عبد الرّحمن الزّنيدي، مناهج العقيدة الإسلاميّة، ص: 187.

٤٢ / ٦٣