سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٤٦في هذا التّوجيه تبرز العقلانيّة، إذ ترشد العقل أن يتدبّر في طريقة التّعامل مع مسائل الإيمان، بما يمليه الإيمان نفسه، ولا يشتطّ بإطلاق العنان له، من دون قواعد وضوابط ومبادئ وأصول يصادم ما يريد الإيمان بناءه، أي لا يتصرّف المسلم بسذاجة؛ سيرًا في ركاب من يدعو إلى تحرير العقل من أيّ ضابط، يرتدّ إلى الأصول الثّابتة، وينطلق من القواعد المؤصّلة .. لأن من يسير خلاف هذا يعيش في فوضى، وهذا ما يتنافى من العقلانيّة ..
إنّ قصدنا من وصف الشّيخ بيّوض بأنّه عقلانيّ في عرض العقيدة، أنّه يستعمل العقل في بعض معالجاته لموضوع العقيدة، ما لم يؤدّ ذلك إلى المساس بجوهر الدّين، وهو يرمي بذلك إلى بيان جانب مضيء في مناهج البحث في العلوم الإسلاميّة وهو جانب العقل، كما أنّ بعض المعالجات العقليّة تساعد على الفهم الجيّد للمسائل، تسهم في رفع اللّبس، وردّ الشّبهات، وتحريك الإيمان في القلوب، والوصول إلى الحقيقة الكبرى، وهي الوحدانيّة.
علّق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: ﴿وَفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثَّ مِنْ دابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثيّة:4) موجّهًا العقل كي يتأمّل في حقيقة النّعم التي منحها الله الإنسان، ومن خلال هذا النّظر يقف على قدرة الله، بعدها يتيقّن منها، ويوقن واجبه نحو خالق هذه النّعم: " … والعجيب كذلك يبدو في هذه المعدة المصنوعة من اللّحم، ولكنّها تذيب كلّ شيء ولا تذوب، وفي أجهزة التّحليل والتّكرير، التي تفرز مئات الأنواع من الأطعمة التي يغذّي كلُّ واحد منها جزءًا معيّنًا من أجزاء الجسم فينمو، بينما الفضلات تخرج خارج الجسم، على سبيل البول وسبيل الغائط .. وهكذا فإنَّ أمرَ خلقنا لعجيب! حتّى ولو اقتصرنا على الصّورة الظّاهريّة، التي يقول عنها الله تعالى: ﴿ … وَصَوَّركُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ … ﴾ (غافر: 64) فصورة الإنسان مستقيمة؛ إذ رأسه إلى الأعلى، وهي موضع الجوارح والحواسّ فيه، وكيف تتّسق وتتناسب حتّى يؤدّي كلّ واحد منها وظيفته بالتّعاون مع الأطراف الأخرى بدون تعارض أو تناقض، فالأمر عجيب وعجيب حقًّا! نبّهنا الله تعالى إليه في آية مختصرة قوله: ﴿وفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دابّة﴾(1)
إنّ الشّيخ بيّوض حين يدعو إلى التّأمّل والتّفكّر في خلق الله، إنّما يهدف إلى تسخير العقل وتوظيفه لإدراك حقيقة الوحدانيّة، التي تدفع إلى إفراد العبوديّة لله، من دون سواه، وليس إعمال الفكر في خلق الله غاية، وإنّما هو وسيلة، حدّد له مجال تحرّكه، ونطاق استعماله. يتجلّى ذلك في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ … إنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثيّة: 13):" … والغرض من التّفكير في خلق الله هو الوصول إلى الحقيقة الكبرى، إلى حقيقة الحقائق، وهي أنّ لهذا الكون - علويّه وسفليّه، وللمخلوفات جميعها – خالقًا مدبّرًا حكيمًا واحدًا، لا شريك له، مريدًا فعّالاً لما يريد، عليمًا بكلّ شيء؛ لأنّه خالق كلّ شيء: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ
(1) - في رحاب القرآن، 18، (الدّخان ـ الحاثيّة ـ الأحقاف ـ محمد)، ص: 135.