سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٤٧خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخبيرُ} (الملك:14). ثمّ لنقول وراء ذلك: إنّ هذا الخالق يستحقّ على خلقه ومخلوقاته أن تحمده وتشكره، وتسبّحه على ما أنعم عليها، وهذا منتهى التّفكير. وإذا لم ينتهِ التّفكير إلى هذه النّتيجة، ولم يوصل إلى هذا الحدّ، فالويل لصاحبه، والويل كلّ الويل للذي يقول: إنّ هذا الخلق كلّه كان محض الصّدف والطّبيعة، أو مثل هذا الكلام … "(1)
كما دعا الشّيخ بيّوض إلى مداومة التّفكّر في مخلوقات الله، وفي أسمائه الحسنى؛ قصد زرع محبّته في القلوب، التي يكون من أسباب إدراك الوحدانيّة، ويكون من عوامل تعظيم الله. يقول الأستاذ حمّو الشّيهاني: "دعا الشّيخ بيّوض إلى مداومة التّفكّر في خلق الله، وتأمّل تجلّيات أسمائه الحسنى وصفاته في الكون، فإنّ ذلك يعين على محبّة الله، وتعظيمه والتّوجّه إليه وحده؛ لأنّ القلب بقدر ما يمتلئ بحبّ الله والالتجاء إليه، بقدر ما يسقط تعظيم غيره من العباد."(2)
إنّ التّفكّر في خلق الله يساعد على إخلاص العبادة له، والابتعاد عن الشّرك، ويضع علاقة المرء بربّه في الطّريق الصّحيح، هذا موضع من المواضع الذي يمكن للعقل أن يشتغل فيه، لترسيخ العقيدة في القلب. هذا ما أراد الشّيخ بيّوض التّنبيه إليه.
قال: " … هذا الذي يريده الله تعالى، إنّه ترسيخ العقيدة في القلب، وبقدر ما يتفكّر المرء في مخلوقات الله تزداد هذه العقيدة رسوخًا؛ ولذلك جاء في الحديث (تفكّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق)(3). والتّفكير في الخلق ممّا يعيننا على محبّة الله تعالى وتعظيمه، والالتجاء إليه. وبقدر ما يمتلئ القلب بحبّ الله والالتجاء إليه يسقط غيره من العباد، إلاّ باعتبار المعاملة الحسنة. أمّا ما يكيِّف المرء أعماله بحسبهم؛ محادّة لأمر الله ومخالفة له، فهذا ما لا يجوز، وا لا ينبغي."(4)
كما يدعو الشّيخ بيّوض إلى استعمال العقل لمعرفة الله تبارك وتعالى عن طريق إبداعه في صنعه وخلقه وتفرّده بالعظمة والكبريّاء والقوّة المطلقة .. وللكشف عنها فيما تعيشه مخلوقاته عمليًّا .. فإنّه يرمي من ممارساته العمليّة إلى دعوة المشتغلين في حقل الدّعوة، وإلى كلّ من يتعامل مع كتابه وتشريعاته .. إلى توفير المجال للعقل في عملهم .. فهذا العمل يزيد المؤمنين رسوخًا في إيمانهم، ويدفعهم إلى الالتزام أكثر بعبادة خالقهم بإحسان وإتقان، ويعين غير المؤمنين على إدراك حقيقة الإسلام الذي هو من وحي خلاّق عليم قدير، ليس كمثله شيء ..
(1) - المصدر نفسه، ص: 173.
(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 318.
(3) - الرّبيع بن حبيب، المسند، ج1 باب النّهي عن الفكرة في الله عزّ وجلّن ص: 311، حديث: 827.
(4) - في رحاب القرىن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، ص: 440، 441.