سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٤٩تفضيل بني آدم، وبخاصّة بين الأشاعرة والمعتزلة ووصل الأمر إلى السّبّ والشّتم واللّعن والتّكفير … قال الشّيخ: " … وكلّ هذا لا يعنينا، وهو ممّا لا ينبغي البحث فيه؛ لأنّه لا يوقف فيه بالبحث المجرّد والعقل المجرّد. ولا يمكن أن يعتقد في شيء من هذا، إلاّ إذا كان هنالك دليل عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، أو عن الله تعالى في كتاب، ولا دليل قاطع على أنّ الملائكة خير من بني آدم، أو أنّ بني آدم خير منهم."(1)
في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: ﴿فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ﴾ (الدّخان:4) وما قيل عن اللّيلة المباركة التي نزل فيها الكتاب المبين، وبعض الرّوايات فيها. من ذلك أنّ استنساخ القوائم يبدأ في ليلة النّصف من شعبان ويتمّ في ليلة القدر … إلى غير ذلك من الأقوال التي تفتقر إلى الدّليل.
المهمّ عند الشّيخ بيّوض أنّ هذه الرّوايات لا تتعلّق بالعقيدة، فلا يفيد ولا يضرّ الاهتمام بها من عدمه: "وقد اشتهرت هذه الرّوايات، ولا يضيرنا نحن أن تكون أو لا تكون؛ لأنّها ليست مسألة عقديّة."(2)
6 – الاكتفاء في قصص القرآن بمواطن العبر
يقول الأستاذ صالح حمدي: "يعتبر الشّيخ (بيّوض) قصص القرآن أهمّ وسيلة لتقرير العقائد، وإصلاح النّفوس، ويرى أنّ المنهج الأمثل في فهمها هو الاكتفاء بمواطن العبرة منها، وعدم الخوض فيما سكت عنه القرآن من تفاصيلها؛ لأنّه لا يأخذ من التّاريخ إلاّ ما فيه العبرة."(3)
ما ورد في هذه الفقرة يتضمّن ملاحظة مهمّة، واستنتاجًا أهمّ، يدلّ على القراءة الجيّدة لفكر الشّيخ بيّوض، ومعرفة دقيقة لمنهجه في الدّرس العقدي، يمكن تسجيل الآتي ممّا جاء في النّصّ:
أ - الإرشاد إلى الطّريقة المثلى في التّعامل مع القرآن.
ب - حصر الاهتمام فيما فيه الجدوى في الحياة العمليّة.
ج – الدّعوة إلى الابتعاد عمّا هو ترف في التّفكير، لا يفيد، بل قد يضرّ.
هذه الملاحظات المستنجة من الفقرة السّابقة، تسجّل أصالة المنهج وقوّته في تأصيل المسائل، وعرض القضايا، ومعالجة الموضوعات، وتحديد مسار التّحرّك والعمل …
منهج الشّيخ بيّوض في هذا العنصر واضح ومطّرد، لم يحد عنه في كامل تفسيره. يمكن التّدليل على هذا بمثالين:
أ ـــــ قصّة ولادة مريم عليها السّلام بعيسى عليه السّلام، فبعد أن شرح القصّة قال: " وهكذا تنتهي هذه القصّة العجيبة، وقد رأينا في مطاويها حكمًا وأسرارًا عظيمة، ومن تتبّعها باهتمام
(1) - في رحاب القرآن، ج1، (تفسير سورة الإسراء) ط2،، ص: 48.
(2) - في رحاب القرآن، ج18، (تفسير سور: الدّخان ـ الجاثية – الأحقاف – محمّد)، ص: 16. ينظر الصفحات: 13 – 18.
(3) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 332، 333.