سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة
الجزء ١ · صفحة ٥٠يستفيد علمًا، ويزداد إيمانًا وتقوى، وليست الحكمة في أن نعلم شيئًا نجهله فقط، وإنّما الحكمة في جني ثمرة هذا العلم"(1)
ب ـــــــ في تعقيبه على القصص التي وردت في سورة الكهف قال: "وهكذا الغالب في خواتم السّور تكون خلاصة لما تقدّم فيها. ففي هذه السّورة، الله تعالى قصّ علينا خمس قصص، قصّة أصحاب الكهف، وقصّة صاحب الجنّتين، وقصّة السّجود لآدم، وامتثال الملائكة لأمر الله، وعصيان إبليس. هذه القصص وما تخلّلها وما فيها من حكم وعير، كلّها تقرّر قواعد وأسس الدّين الصّحيح، الذي هو الإيمان بالله وحده لا شريك له، والإيمان بإحاطة علمه بكلّ شيء، وبأنّ وراء علم البشر المادي الظّاهري غيبًا لا يعلمه إلاّ الله، إلاّ إِنْ أظهره لبعض خلقه ممّن يشاء من رسول، وأنّ علم الله لا يتناهى، وليس له حدّ مطلقًا."(2)
7 – نقد الأفكار غير المؤسّسة وغير المنسجمة مع العقيدة الصّحيحة
علّق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: ﴿ … تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يبتغون فضلاً من الله ورِضْوانًا … ﴾ (الفتح:28) بعد أن شرح الآية الكريمة، وبينّ القصد من ابتغاء الفضل والرّضوان، بعد الرّكوع والسّجود شكرًا لله، وتقرّبًا وتذلّلاً له، ذكر أنّ هذا داخل في عبادة الله طمعًا في رحمته وجزائه، وخوفُا واتّقاءً لعذابه وانتقامه. لكنّ بعض المتطرّفين في الفهم، وغير الفاقهين لحقيقة ما يجب أن يعتقد في فضل الله على عباده الموفّين بعهده، وفي عدله فيما وعد به، والمتطاولين على أحكام الله؛ غلوًّا في الفهم، وشذوذًا في التّأويل، يقدّمون بدائل لما أثبته الله في كتابه.
تصّدى الشّيخ بيّوض لهذه الأفكار ينقدها ويردّها؛ على ضوء الكتاب. فقال منبّهًا إلى خطل الرّأي القائل: إنّ الله لا يعبد رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه. في مزيد من التّوضيح للآية السّابقة: " أريد أن أنبّه إلى نكتة، قد يذكرها بعض المفسّرين، وهي أنّ بعض الزّهّاد والمتصوّفة قالوا: إنّ أفضل عبادة المرء أن يعبد ربّه، لا طمعًا في الجنّة، ولا خوفًا من النّار، وإنّما يعبده لأنّه أهل لأن يُعبدَ، كما قالت مثل هذا الكلام رابعة العدويّة … : (ما عبدتك طمعًا في جنّتك، ولا خوفًا من نارك، وإنّما عبدتك لأنّك أهل لأن تعبد)، واتّخذ بعض الصّوفيّة هذا شعارًا، يعني أن نعبد الله لأنّه المستحقّ للعبادة، لقدسيّته وجلاله، ولعظيم شأنه وعزّ سلطانه، ولجميل إحسانه وإكرامه، ولأنّه أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
نعم هذا كلام حقّ، ولكنّنا لا نستطيع أن نصل إلى حقيقة استحقاق الله تعالى، وكلّ ما يقال في هذا المجال، فهو أقلّ ما يجب أن يقال، وأنا أرى أنّ هذه المقولة شطحة من شطحات الصّوفيّة، وأنا شخصيًّا لا
(1) - في رحاب القرآن، ج3، (تفسير سورتي مريم وطه)، ص: 99.
(2) - في رحاب القرآن (تفسير سورة الكهف)، ص: 416.