سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٥١

أقبلها، تُرى لماذا؟ ذلك لأنّ الله تعالى خلق الجنّة، وجعلها أجرًا لمن أطاعه وعبده وطلب رضاه، ووصفها بأوصاف تهتزّ القلوب شوقًا إليها، وخلق النّار وجعلها عقابًا لمن عصاه، وتجنّب عبادته وأسخطه، ووصفها بأوصاف ترتعد لها الفرائص فرقًا منها، ثمّ إنّه وصف عباده المؤمنين بأنّهم يدعونه خوفًا وطمعًا، فقال: ﴿تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (السّجدة: 16) وقال عقب الحديث عن طائفة من الأنبيّاء الذين ختمهم بزكريّاء عليهم السّلام: ﴿ … إنّهُمْ كانُوا يُسارِعونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُوننَا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ (الأنبيّاء: 90) فكلّ الأنبيّاء من آدم - عليه السلام - إلى النّبيّ محمّد - صلى الله عليه وسلم - يسألون الله تعالى الفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار، ويدعون ربّهم رغبًا ورهبًا … "(1)

ليزيد الشّيخ الموضوع توضيحًا، ويتوسّع في تنوير العقول؛ تصحيحًا للمفهومات التي تمسّ العقيدة. قام يردّ على شبهة أثارها المستشرقون؛ طعنًا في القرآن، وتشكيكًا للمسلمين في مصدر عقيدتهم. لقد وصف هؤلاء المغرضون القرآن بأنّه كتاب جنس وشهوة ولذّة ومادّة؛ بما يحمل من دعوات للعمل في الدّنيا للحصول على المتع الجنسيّة والطّعام والشّراب، ممّا عدّوه مساسًا بالكرامة، وانحطاطًا إلى دركات الحيوانيّة. ردّ الشّيخ بيّوض على هذا الهراء وهذا الطّعن المغرض. فما عدّه المستشرقون إسفافًا وانحطاطًا، قال عنه الشّيخ هو أسلوب تربوي، هدفه التّرغيب، وهو من صميم مقتضيات العقيدة: " إنّ الله تعالى يدعونا إلى أن نرغب في ثوابه، ويصفه لنا بكلّ وصف بديع ليحبّبه إلينا، ويشوّقنا إليه، حتّى فيما يتعلّق بالحالة الجنسيّة. وهذا ما أنكره بعض المستشرقين، وقالوا: إنّ محمّدًا رجل شهواني، إذ كيف يصف القرآن النّساء وحور العين ويرغّب فيهنّ، كمثل قوله: ﴿حورٌ مقصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ (الرّحمن:72) وقوله: ﴿كأمثال اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ (الواقعة:23)، وقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جانٌّ﴾ (الرّحمن: 56). هذا غير المآكل والمشارب، وقد سخروا من الآيات الواردة في هذا المعنى، كمثل قوله: ﴿مَّثَلُ الجّنَّةِ التِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فيهَا أنْهارٌ مِّنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسنٍ وأنْهارٌ مِّنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغّيَّرِ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّاربينَ وَأَنْهارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فيها مِنْ كُلِّ الثَّمراتِ﴾ (محمّد: 15). سخروا فقالوا: إذن في الحنّة لذّات جسمانيّة؟ أي نعم، فالله تعالى يريد أن يجمع بين اللّذّة الرّوحيّة واللّذّة الجسمانيّة واللّذة الجنسيّة كذلك، والقرآن ملآن بمثل هذا."(2)

8 - يركّز أحيانًا على الدّلالة اللّغويّة في شرح المصطلحات وتوضيح المفهومات.

قدّم الشّيخ بيّوض في هذا العنصر ملاحظات دقيقة، وتحليلات عميقة، وتأويلات رائعة، واستنتاجات جيّدة مهمّة … تخدم المعنى العام لما هو في صدد تفسيره. وقد أعانه هذا على الوصول إلى الهدف الذي كان يرجوه ويبتغيه من تفسيره آيات الذّكر الحكيم.

(1) - في رحاب القرآن، ج19، (سورة الفتح)، ص: 345، 346.

(2) - المصدر السّابق، ص: 346.

٥٠ / ٦٣