سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٥٢

في تعليقه على قوله تعالى: ﴿ … رَبَّنَا أبَصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنونَ﴾ (السّجدة: 12) بيّن لماذا أتى الله - عز وجل - بلفظ (ربّ) بدل (الله): " اختار الله تعالى التّعبير بلفظ (الرّبوبيّة)، بدل لفظ (الجلالة)، الذي هو أعظم وأفضل الأسماء الحسنى، ولو شاء لقال: ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند الله، ولكنّه في هذا المقام اختار لفظ (الرّبّ)؛ لأنّه أدعى لإقامة الحجّة وقطع العذر، إذ الرّبّ فيه معنى الخلق والتّربيّة، والإمداد بالنّعمة، وكأنّه قال: ناكسو رؤوسهم عند خالقهم ومربّيهم ومعطيهم كلّ قوّة بدنيّة وعقليّة، حتّى انتهوا إلى ما انتهوا إليه من قوّة، فأنكروا الله وجحدوه، ففي ذلك الوقت وهم ناكسو رؤوسهم يحضر لهم ما كانوا يتغافلون عنه من قبل، من خلق الله لهم، وإغداق النّعم ظاهرة وباطنة عليهم.

وهكذا القرآن الكريم، يجب أن تكون لنا وقفة مع كلّ حرف وكلمة وآية؛ لبيان سرّ استعمالها في مقام دون آخر، كاستعمال لفظ الرّبّ مكان لفظ الجلالة (الله) هنا … "(1)

عن مفهوم " الرّبوبيّة" وأثرها في توجيه السّلوك، يقول الشّيخ بيّوض، مستثمرًا دلالاتها ليبيّن سرّ اختيار الله تعالى اللّفظة المناسبة للمقام المناسب والحالة المناسبة، ولتكون هذه اللّفظة المختارة مناسبة لعرض العقيدة: " … فإذا قلت: (ربيّ الله)، بقلب صادق، فإنّك حينئذ تجعل الله نصب عينيك في كلّ حركة وسكنة، وهذا كاف في الاستقامة، فكلّما عرض لك أمر فاجعل الله نصب عينيك وكأنّك تراه، كما ورد في الحديث. تيقّن أوّلا أنّ الله معك في كلّ عمل تريد أن تقوم به، وفي كلّ كلمة تريد أن تقولها، وكلّ خطوة تريد أن تخطوها، وكلّ ما أردت أن تمدّ إليه يدك، أو ترسل عينيك لتراه، أو تطلق أذنك لتسمعه. أَتُرضِي الله بذلك أم تغضبه؟ فاعمل بمقتضى الرّبوبيّة التي تعترف بها … "(2)

9 – توحيد المرجعيّة

بهذه الخصّيصة كان الشّيخ بيّوض يعمل على تأصيل المسائل، التي يعرضها ويعالجها، ويتّخذ منها مواقف محدّدة، كان يستند في ذلك إلى ركيزتي النّصّ والعقل(3). وكان يدعو المتمسّكين بأقوال الأوائل، أن يجعلوا ميزانهم في هذا التّمسّكِ والاتّباعِ قائدَ هذه الأمّة الإسلاميّة القدوةَ والرّائدَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ونحن نقول: مثل هذا الكلام للذين يتمسّكون بالبدع؛ بناء على قولهم: إنّا وجدنا آباءنا، أو إنّا وجدنا أوائلنا ومشايخنا، نقول لهم: إنّ أوّلكم هو النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. هل فعل شيئًا ممّا تفعلون أم لا؟ فقولكم: (إنّا وجدنا آباءنا) لا يقوم حجّة، إذا عارض آية صريحة، أو سنّة صحيحة، وقولكم هذا قد يقبل، ما لم يعارض الطّريق الذي سلكه السّلف

(1) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 79.

(2) - في رحاب القرآن، ج16، (تفسير سورتي غافر وفصّلت)، ص: 472.

(3) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 142.

٥١ / ٦٣