سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٥٥

العبادة، فقال: " … لو ترى حالة الكفرة في ذلك اليوم ورؤوسهم منكّسة من الخزي والذّلّ؛ لأنَّ أمرهم قد افتضح، وقد كانوا في الدّنيا يتّبعون الظّنون والأوهام وما تهوى الأنفس، ويعرضون عن آيات الله الظّاهرة وبراهينه السّاطعة …

وقبل أن يجيبهم الله تعالى الجواب المسكت المفحم، عجّل بكلمةٍ، أظهر فيها سلطانه وقهره وجبروته، وأنّ كلّ شيء يكون بإرادته، إذ ربّما يسبق إلى ذهن إنسان أنّ الكفرة عصوا ربّهم – حاشاه – رغمًا عنه، وأنّه لم يقدر على أن يحملهم على الإيمان، رغم قيام الحجج بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، وتمييزهم بالعقل، مع ما في صدورهم من الفطرة التي فطر الله النّاس عليها، ولهذا عجّل بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أجمعينَ﴾ (السّجدة: 13) لو شئنا لحملنا كلّ واحد على اتّباع طريق الهدى، ويجبر على ذلك جبرًا، ولكنّ حكمة الله اقتضت أن يخلق خلقًا ويجعلهم مكلّفين، ويمكنهم من الاختيار المطلق لما يريدون، ولكنّه يعلم ما سيختاره كلّ واحد منهم، ومن سيهتدي أو يضلّ، ولو شاء لانتزع من قلوبهم الشّهوات، فلا يكونون إلاّ مهتدين كالملائكة، ولو شاء لساقهم إلى ما يريد منهم بالغريزة والإلهام كالبهائم، فكثيرًا ما يفهم البعض هذا المفهوم، وكأنّ فيه نوعًا من الظّلم، ولكنّه يستسلم، على أنّ هناك ما يمكن أن تطمئنّ إليه النّفس من التّعليل."(1)

2 – كان الشّيخ بيّوض يركّز في دروسه على ضرورة تحريك الإيمان في القلب وتنميته ليكون ذلك دافعًا لمراقبة الله: إتيانًا لأوامره، وانتهاءً عن نواهيه، والتزامًا بالوقوف عند حدوده. وكان يكشف عن بعض الدّقائق التي قد تخفى على كثير من النّاس، فلا يفقهون ما يرد في سياق الآيات؛ ممّا قد يبدو فيه عدم التّرابط، بينما هو تعبير محكم وإرادة إلهيّة في نسج الجمل، وحِكَمٌ كما يراها هو؛ لقصد تقرير حُكم، أو تنبيه إلى أمر …(2)، في هذا قال الأستاذ حمّو الشّيهاني" ووظّف في هذا التّأكيد المناسَبَةَ بين الآيات، فلاحظ أنّ البيان الإلهي – في سورة الأحزاب – بعدما استفاض في الأساليب الوقائيّة من اقتراف الفاحشة أمر عباده بالصّلاة على النّبىء: - صلى الله عليه وسلم - ﴿إنّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ علَى النّبيء يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56)؛ مشيرًا إلى أنّ ذلك ممّا يزكّي القلوبَ، فتستقيم الجوارح على الطّريقة."(3)

(1) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص:78، 80، 81.

(2) - يقول الشّيخ بيّوض: " وكما هو معلوم – بإجماع الأمّة – أنّ ترتيب الآيات توقيفي من عند الله تبارك وتعالى، والقرآن كلّه مجموع في اللّوح المحفوظ، ينزل بالآية والآيتين وفق ما يريد الله تعالى، ويقول لجبريل ثمّ إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم -: ضعوا هذه الآية في مكان كذا وكذا … ولهذا فعلى المرء أن يتدبّر مواقع الآيات وحكمة ترتيبها … ّ في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 577. يُنظر مثالٌ آخر في المصدر نفسه، ص: 85، 86.

(3) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوص، ص: 301.

٥٤ / ٦٣