سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٥٦

علّق الشّيخ بيّوض في عدّة صفحات على أمر الله - عز وجل - الصّلاةَ على النّبيء - صلى الله عليه وسلم -؛ مبيًّنا مقامه وفضله، وما يجب على المؤمنين اعتقاده فيه، ثمّ محبّته، لأنّ محبّته من محبّة الله - عز وجل -(1)، قال: "جاءت هذه الآية المباركة التي تظهر فضل النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ومقامه العالي وخطر الذين يؤذونه ويؤذون المؤمنين، في وسط الكلام على نظام الأسر والعائلات، وعلى الأحكام المتعلّقة بالنّساء … وهي شديدة الاتّصال بما قبلها وما بعدها … "(2)

بعد أن فصّل القول في كيفيّة الصّلاة على النّبيء - صلى الله عليه وسلم - وذكر الصّيغ الواردة في هذا، وسرد بعض الأحكام المتعلّقة بالسّلام على رسول الله، وبعد أن عرض بعض أقوال العلماء في الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد … قال: " أمّا فيما يتعلّق بموقع هذه الآية في وسط هذا السّياق الذي نحن فيه، والذي بتعلّق بالمرأة وسترها وحجابها ومحارمها، فيبدو أنّ الحكمة هي إظهار مقام النّبيء - صلى الله عليه وسلم - للنّاس …

في وسط هذا السّياق جاءت هذه الآية بيانًا لمقام الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عند الله تعالى … ومن المعلوم أنّه كلّما عظم الله تعالى في قلب إنسان كان أسرع إلى امتثال أمره واجتناب نهيه، وكذا الأمر بالنّسبة للرّسول - صلى الله عليه وسلم -، فأراد الله تعالى أن يملأ قلوبَنا بتعظيم النّبيء - صلى الله عليه وسلم - …

هذا الذي يريد الله تعالى أن يبيّنه بإدراجه هذه الآية هنا، وأنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بالمقام السّامي، وأنّه أفضل مخلوقاته؛ ليحفّزنا على اتّباع شرعه، والاقتفاء بسنّته، وتلقّي الأحكام التي جاء بها من قبل ربّه … "(3)

الملاحظة التي قدّمها الشّيخ بيّوض مهمّة جدًّا، ودقيقة في موضوع الإرشاد القويّ للتّعامل مع كلام الله تعالى، والفهم الصّحيح للدّين، والتّوجيه الذكيّ والهادف لفقه حقيقة العقيدة. إنّ الأحكام التي ساقها الله تبارك وتعالى، جاءت عن طريق الوحي، فبلّغها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - للنّاس. وهو بذلك يتبوّأ مكانة ساميّة، ومقامًا عاليّا عند ربّه، وهو ما يجب أن يعتقده المبلَّغ لهم ذلك، ويعملوا على تجسيده في حياتهم وسلوكهم، ما يعين على ذلك إظهار محبّة رسولهم - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّ محبّته من محبّة مَنْ مَكنّه هذا القدرَ، وهو ربّ العزّة والجلالة والإكرام. فكان في إقحام تقدير النّبّيء - صلى الله عليه وسلم - وعدم إذايته، بل الصّلاة عليه في سياق الآيات المتعلّقة بأحكام الأسرة توجيهٌ إلى الامتثال لأوامره، وقد ورد في السّورة نفسها قوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمِ في رَسولِ الله إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ … ﴾ (الأحزاب: 21) وفي هذا ترسيخ للعقيدة، وتلقين إحدى مميّزات القرآن أو خصوصيّته، التي تكشف عن تفرّده وتمنّعه عن المثل والنّدّ .. في هذا التّناول يتكشّف جانب من جوانب منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة.

3 – تصحيح العقيدة بالتّنبيه إلى بعض الأخطاء الخفيّة

في معرض التّعليق على قوله تعالى: ﴿إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النّبيء … ﴾ (الأحزاب: 56) بيّن الشّيخ بيّوض أنّ من تمام تعظيم الله - عز وجل - التّأدّبَ معه في كلّ الحالات؛ تنزيهًا له أن يناله تقصير في حقّه، أو مساس بكبريّائه، وفيه تدريب النّفوس على تقديس الذّات الإلهيّة، وإفرادها بالعبوديّة والرّبوبيّة، اللّتين تدفعان إلى الخضوع لله والعمل على تحسين العلاقة به؛ بحسن السّلوك.

هذا أثر من آثار رسوخ العقيدة في القلب، قال عن كلمة (يصلّون): " … ومثل هذا الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد منهيّ عنه، إلاّ أن يكون الله تعالى هو الذي يجمع نفسه مع غيره، فقد كان النّبيء - صلى الله عليه وسلم - مرّة مع جماعة من الصّحابة رضي الله عنهم، فقام خطيب منهم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: بئس الخطيب أنت! ألا قلت: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى(4). ولهذا شواهد من القرآن. وإذن لا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد، ولكنّ هذا الجمع في قوله تعالى: ﴿إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النّبيء … ﴾ أراد به الله تعالى أن يشرّف ملائكته، وأضافهم إلى نفسه."(5)

بعد أن ذكر رأي بعض المفسّرين في تأويل ما جاء في الآية، وعرض شاهدًا من هذا الاستعمال في القرآن ووضّحه(6)، وجّه كلامه للموجِّهين، وهو بيت القصيد ومحلّ الشّاهد من كلّ ما عرضه. وهذا يندرج في صميم منهجه في عرض العقيدة، قال: "وعلى الوعّاظ والمرشدين والكتّاب الحذر من الوقوع في مثل هذا الخطأ. وإذا لم نقل فيها: إنّه لا يجوز، نقول: إنّه سوء أدب مع الله، فإذا تكلّمت عن الله تعالى، فتكلّم عنه وحده، ولا تضمّ إليه أحدًا، وتجمعه معه في ضمير واحد."(7)

4 – توجيه المربِّين إلى أساسيّات في التّربيّة على العقيدة

أ - كان الشّيخ بيّوض حريصًا أشّدّ الحرص على إرساء قواعد في البناء، وتثبيت أسس في التّربيّة .. من ذلك توجيه المربّين والمكوّنين إلى الانتباه إلى الخطوات المهمّة في الإعداد والتّكوين، وعدم الغفلة عن الأمور الأساسيّة في رسم خطط بناء النّفوس.

(1) - ينظر في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 576 – 598.

(2) - المصدر السّابق، ص: 578.

(3) - المصدر السّابق، ص: 595 – 598.

(4) - مسلم، الصّحيح، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصّلاة والخطبة، حديث: 870، ج2، 594.

(5) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 592، 593.

(6) - ينظر الآية: 24 من سورة المائدة.

(7) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 593.

٥٥ / ٦٣