سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٥٧

في حديثه عن أثر الدّين في التّربيّة والتّعليم، عرض لما حصل من تطوّر في الأبحاث التّربويّة، وما تكدّس من نظريّات في علوم التّربيّة وعلم النّفس، وما أبدعه العلماء والفلاسفة من آراء في تربيّة الأحداث، من دون الاهتمام بالدّين في التّكوين، وطلب الهداية من دون الالتجاء والاستعانة بالله، أي إبعاد الجانب العقدي في العمليّة التّربوية … وقالوا: في هذه النّظريّات والتّجارب الوسائل المثلى لتحقيق النّجاح في التّربيّة والإعداد. قال الشّيخ بيّوض سائلا ومجيبًا من يسير في هذا الدّرب، وبهذا المنهح: "وهل تظنّون أنّ شيئًا من ذلك ينفع من دون التّربيّة الدّينيّة؟؟ - كلاّ والله – وأقولها مجلجلة مدويّة: فلا تربيّة تنفع في إصلاح سلوك الإنسان وتحقيق سلامة قلبه، إلاّ إذا كانت مبنيّة على كتاب الله وسنّة رسوله، فاملأ أيّها المربّي المسلم قلوب ناشئتك ما استطعت بجلال الله ومحبّته، والرّغبة في نعيمه ورضوانه، والخوف من عذابه ونقمته، وبغير ذلك لا تجدي أيّة فلسفة تربويّة لفلان أو علاّن."(1)

دعم الشّيخ رأيه في هذه النّقطة بالواقع الإنساني والعالمي، الذي يشكو تعثّرًا في البناء الصّحيح للإنسان السويّ؛ بسبب غياب الحجر الأساس في ذلك وهو الدّين. قال: إنّ هذا الواقع يغني عن الإجابة: " ذلك لأنّ الذي يمكن أن يستفيد من تلك العلوم في التّربيّة وعلم النّفس، هو ذلك المربّي الذي يضع كتاب الله في يمينه، وسنّة رسوله في شماله؛ نبراسين ساطعين بنور الله، يكشفان له معالم الطّريق، في أوّله ووسطه وآخره، وهو يقوم بمهمّته التّربويّة، على أسس العقيدة الرّاسخة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ثمّ بعد ذلك يأخذ من التّجارب الإنسانيّة الصّادقة ويتزوّد بكلّ نافع من القواعد الصّحيحة والأساليب النّاجحة في غرس الأخلاق الإنسانيّة الرّفيعة، لتكوين الفرد الصّالح والمجتمع الفاضل … "(2)

التّركيز على العقيدة قاعدةً صلبة أساسيّة في التّربيّة واضح وصريح فيما نبّه إليه الشّيخ بيّوض، ولن تقوم مكانها ما يدعو إليه المربّون خارج دين الله، إنّهم لن يتمكّنوا من القيام بمهمّاتهم التّربويّة بقوّة؛ بعيدًا عن تشريع ربّ العباد، بل إنّ الإفادة من التّجارب الإنسانيّة لغرس القيم الإنسانيّة في الإنسان الصّالح والمجتمع الفاضل، لن تحصل إلاّ إذا كانت الانطلاقة من الدّين، وكانت الرّعاية الشّاملة والحضانة الكاملة والحصانة الدّائمة من الإيمان بمكوّنات العقيدة.

ب - في السّياق ذاته، أشار على المربّين إلى العمل على تكوين الضّمائر الحيّة والقلوب السّليمة في النّاشئة؛ بالاستعانة بالله في التّوفيق في التّربيّة، وتوفير الهداية للأجيال الصّاعدة، وهو تنبيه مهمّ، إذ يجعل في الارتباط بالدّين، والتّعلّق بإرادة الله ومشيئته توجيهَ عمل عباده. من شأن هذا التّنبيه أن

(1) - حديث الشّيخ الإمام ردًّا على بعض الشّبهات والأوهام، الحلقة الأولى، ص: 22.

(2) - المصدر نفسه.

٥٦ / ٦٣