سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة من فكر العلماء العاملين (5): منهج الشيخ بيوض في عرض العقيدة

الجزء ١ · صفحة ٦٠

والنّظر الشّخصي، وقد تتأثّر بالأهواء والنّزعات الذّاتيّة، ثمّ إنّ التّفاصيل التي يبحث فيها عنها لا تقدّم في المحال العقدي أيّ بُعد، أو فائدة تنفع في السّلوك.

في هذا توجيه منهجي في كيفيّة التّعامل مع العقيدة، وترشيد للتّفكير والنّظر، وفيه اقتصاد للجهد وصرفه فيما هو في طاقة الإنسان المخلوق الضّعيف، ذي القدرة المحدودة، وإنفاق وقته في المفيد والنّاجع، وفي النّهاية فيه دعوة إلى تفويض الأمر إلى الله جلّ وعلا، الذي لو رأى في معرفة التّفاصيل في المسائل التي لم يمنح فيها الفرصة للفرد أن يبحث فيها لأخبرنا بذلك، ولَمَكّننا من النّظر فيها، وفي ذلك زرع لليقين في قلب المؤمن نحو خالقه … وهذا هو الدّرس الحقيقي الذي نفيده من العقيدة.

وجّه الشّيخ بيّوض أحد السّائلين، الذي سأله عما يشاع من نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمن، أصحيح هو أم خرافة؟ قائلاً له: "والاشتغال بغير هذا من المهمّات الدّينيّة والدّنيويّة أولى وأحرى؛ لأنّ البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقًا، مهما طال وامتدّ، فلا يعدو أن يكون تضييعًا للعمر فيما لا فائدة له."(1)

في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ … أَفَتَتّخِذونه وذُريّتهُ أوْليَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظّالمين بدلاً﴾ (الكهف: 50) قال معلّقًا على بعض ما ذكره بعض المفسّرين في حقيقة ذريّة إبليس، وما قيل في تأويل ما ذكره الله تعالى، وعدّ ما أجهد فيه القائلون أنفسهم لتقديم المعنى المقصود في هذه الآية أو هذا السّياق ترفًا وسرفًا في الجهد، لا فائدة منه؛ لأنّه ببساطة لم يصحّ عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ما أوردوه، فلا يتقوّل على الله من دون علم، ومن دون دليل: "وثبت عن النّبيء - عليه السلام - أنّه أُرسل إلى الإنس والجنّ، فهم إذن مكلّفون، ولكن لا نعلم من أمرهم شيئًا، عن طريقة أدائهم الفرائض، وطريقة اتّصال بعضهم ببعض، وطريقة التّوالد، ولم يصحّ عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، شيء من هذا، ولو صحّ عنه شيء لقبلناه على الرّأس والعين؛ لأنّه خبر صادق، ولا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، وإذ لم يصحّ عنه شيء، فلا يجوز أيّ اعتقاد في الموضوع."(2)

إنّ الشّيخ بيّوض يتوقّف عن الخوض في هذا النّوع من القضايا، التي ينتج عنه اختلاف في الرّؤى، ويفضي إلى التّنازع والخلاف فالشّقاق … ؛ بالإضافة إلى عدم الخروج بنتائج يقينيّة؛ لأنّ هذا التّناول لا يستند إلى علم …

من هذه المسائل حقيقة كلام الله - عز وجل - موسى - عليه السلام -، ما هي اللّغة التي كلّم بها نبيّه؟ وكيف سمعه موسى؟ وكيف دار بينهما هذا الكلام؟؛ مذكّرًا أنّ الخوض في كلّ ذلك مضيعة للوقت، وانحراف عن سواء السّبيل؛ لأنّه اتّباع للظّنّ، وفيه ضرر للمسلمين في وحدتهم … " وكلّ هذا دخول فيما لا يعني، بل لا

(1) - فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، الجزء الأوّل، ترتيب وتقديم وتخريج بكير بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1988م، ص: 69، 70.

(2) - في رحاب القرآن، تفسير سورة الكهف، ص: 225.

٥٨ / ٦٣