سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ٣٥الخاتمة وهكذا انطفأت حياةُ رجل كان مثالا حيا للتقي والورع، وحب الوطن، وكراهية الأعداء، والثبات على المبدأ، والعناد في سبيل الحق، والاعتزاز بالنفس، والصبر على المكاره، والجرأة، والشجاعة، فضلاً عن تَغنِّيه بالوحدة الإسلامية…
وشاهدٌ صغير على بعض ذلك: هو العهد الذي قطعه على نفسه – يوم الغزو الإيطالي – أمام إخوانه، بأن لا يحلق شعر رأسه ما لم يتطهر وطنه من دنس المستعمرين!
وقد برَّ بعهده، فلم تمس شعره يدُ حلاق، من يوم إعلان احتلال طرابلس(عام 1911 ) حتى وفاته ( 1940 )… وكم أرهقه هذا الشعر الطويل، بتلك "الجلدية" التي كان يضطر إلى إخفائها تحت قميصه! وكم سبب له المضايقات، في أثناء تنقله في تركيا، فقد كان يُظن أنه راهب مبشر قد جاء البلاد ليحوك مؤامرة أو مكيدة!
وبعد، أليس عجيباً أن يعيش رجلٌ – هذه صفاته – مُبعدا عن وطنه الحبيب: عامين في فرنسا، وستة عشر عاما كاملة في أطراف الجزيرة العربية … يهزه الشوق والحنين إلى مسقط رأسه، فلا يُسمح له بأن يستظل سماءه، أو ينهل من مائه، أو يستنشق عبير أرضه؟!!… ثم تشاء الأقدار أن يُغمض عينيه ( 1) "سليمان الباروني باشا في أطوار حياته"، تأليف أبي اليقظان الحاج الإغماضة الأخيرة، وهو أكثر بعدا: عن وطنه الصغير ليبيا!
إبراهيم، الجزء الثاني، صفحة 243 و 244 .
قصارى القول: كان "سليمان الباروني" يستجمع عديدا من الصفات الحميدة والخلال النادرة، وكان مثالاً رائعاً للرجال الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم الوطن، ويعملون من اجله، ويضحون في سبيله، وما أنبله وهو يقاتل بلا هوادة، ويقضي شبابه وكل أيامه في سبيل الوطن وشرف الوطن وما أروع أن يتوج نضاله بخاتمة طيبة عبر الأجيال اللاحقة فتستقل ليبيا، مما يؤكد أن تواصل النضال لابد أن يحقق معجزة النصر