الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٠خطبة أبى حمزة بمكة
روى رواتهم قال خطب أبو حمزة الشاري بمكة حرسها الله فصعد المنبر متنكبا قوسا عربية، فخطب خطبة طويلة فقال:
يا أهل مكة تعيرونني بأصحابي وتزعمون انهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله إلا شباب؟ نعم، شباب مكتهلون عمية عن الشر أعينهم ناكبة عن الباطل أرجلهم انضاء(1) عبادة، وأطلاح سهر قد نظر الله إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى تشوقا إليها، وإذا مر بآية فيه ذكر النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم في أذنيه، وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوا نهم، ناحلة أجسامهم من طول القيام، وكثرة صيامهم، يستقلون ذلك في جنب الله، موفون بعهده، منجزون لوعده، إذا رأوا سهام العدو قد فوقت(2)، ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انصلتت وأبرقت الكتيبة، وأرعدت بصواعق الموت، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، فمضى الشاب منهم قدما حتى تخلف رجلاه عن عنق فرسه، وقد رمت (3) محاسن وجهه الدماء وعفر جبينه التراب، وأسرعت إليه سباع الأرض و انحطت إليه سباع الطير، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها من خشية الله!
(1) / جمع نضو وهو الضعيف الرقيق الجسم، وأطلاح جمع طلح من خلا جوفه من الطعام.
(2) / من أفاق السهم وفوقه وضع فوقه في الوتر ليرمي به.