الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٩ومن سلطان ملك إلى سلطان ملك، فليس له امام يسوسه ولا على أمر الله يطيعه، فيبقى متحيرا واشتبهت عليه الأمور كما قال: لا بصر أهتدي به ولا بصير يقودني، فإن احتاج إلى العلماء والقراء وجدهم يدينون بطاعة الجبابرة وآخر استحكم حكم القرآن مثل
ما عليه الصديقون فاظهر أمر الله، فصار عند علماء أهل زمانه ضالا إذ لم يوافقهم على خلافهم لله، وهو كاليتيم المفرد يستذله من لا يتق الله.
فالناس اليوم على ثلاثة: فرقة تميت الحق وهم علماء السوء طلبا للدنيا وعلوا فيها، فأفتوا بغير الحق ودعوا إلى أنفسهم فنسبوا أهل سنة وجماعة، وهم أهل بدعة وضلالة، وقد قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة:159)
وأما الفرقة الثانية فهو كما قال فيهم الحكيم الصادق: إن لله عبادا رسخ عظم جلال الله في قلوبهم وركدت شفقة هيبته في صدورهم، وتمكن الحياء منه في ضمائرهم، ووطنت الفكرة أفئدتهم، وتمثلت العبرة بين أعينهم وجرت ينابيع الحكمة من دقائق سرائر إخلاص صدقهم على أطراف ترجمة ألسنتهم، فأنار بهم الدين وانحسرت بهم ظلم البدعة، وبادت بهم سواد الضلال، وارتعد بهم موارق الجهال، وأبت عليهم دعاة العمى، وازدادت بهم هدىً نصرة الهدى، أولئك الذين كفوا عن الدين تأويل الزائغين، وتحريف الملحدين، وشكوك المرتابين، واغلاء المعتدين، وحيرة المتحيرين بالدين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، أحيانا بمصرع الدنيا، والشراب بكأس