الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠١يخل بالدنيا، ويفرغ لأعمال الطاعات قد تقدم من وصف أحواله وما كان عليه من المجاهدة والقيام والصيام وخدمة أصحابه الذين وفدتهم نفوسة مددا للامام، ما يدلك أنه أهل لإجابة الدعاء، لا تسد دونه أبواب السماء، وهو ممن سمع العلم وسمع منه، وأخذه عن أهله وأخذ عنه، لدعائه المستجاب وكراماته التي هي العجب العجاب، وسنذكر من ذلك ما أمكن وأن أسره فقد أبى الله إلا أن يعلن، ذكر عن أبى زكرياء التكوتى أن محمدا بن يانس كانت له غنيمة لا راعي لها، فكان إذا أصبح وأراد أن يرسلها إلى المراعي يقول لها: أنهاك أن تضري أحدا وأنهى أن يضرك أحد، امضى في حفظ الله، قال فتسرح فتمر في أوساط الزرع فلا تضر شيئا، ولا تأكل غير الحشيش والمباح الذي لا حق فيه للناس، حتى تروح على ربها سالمة، لا يطمع فيها سارق ولا يضرها ذئب، ولا ضبع ولا سبع.
محمد بن يانس يتفرغ للحسبة
قيل وكان دأبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يتفقد المزارع والجنات والطرقات محتسبا ثواب لله، فمتى وجد أحدا هم بإفساد شيء من ذلك، أو بإدخال ضر على أحد من المسلمين صرفه عن ذلك، وحال بينه وبينه، وكان لا تمسه غفلة عن هذا الشأن، ومع كثرة عبادته فقد جعل هذا من أوكدها، قيل فلما كان ذات يوم وجد ثلاثة أخوة وقد عزموا على ضرر قد قصدوا به غيرهم، وقد أخذوا في عمله، فنهاهم عن ذلك فقاموا إليه ونالوا منه وعاملوه أقبح معاملة، فسمعت قبيلته وأهل منزله بالذي ناله من القوم، وأرادوهم بضر، فنهاهم محمد عن ذلك وقال ما نالوا منى شيئا إلا وقد نلت منهم أكثر وأعظم،