الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٤السماء إلى "تموصين" قرية من قرى وارجلان فتعلقت نفس الشيخ أبي زكرياء إلى الرؤيا فجعل يقول كيف رؤياك يا عبد الكافي؟ يحب أن أكررها عليه فالتفت إلى أبي يعقوب فقلت له: لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان إلا هذا الشيخ وأني لأحسب أنه سيموت في هذا العام، فمات فيه بعد أشهر، وهذه الحكاية من مناقب أبي زكرياء إلا أن لأبي عمار فيها صدق الرؤيا وإصابة التأويل.
حكم مال من استشهد بالإغارة والنهب
وسأل الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم أبا عمار -رحمهما الله- بمحضر من أصحابهما وذلك بجبال مكة، فقال: عجبا منا نتنزه من أموال العرب(1) التي بأيديهم، وننهى عن الدنو منها، وعن الدنو ممن يدنو منها، ونتجهم في وجوه من يصاحبهم إذا كنا ببلادنا، ها نحن الآن نأكل منها ونحمل عليها، ونتزود منها، ونحن في أكرم بقعة وأبرك بلدة ونحن عايناهم يأخذون أموال الحجاج، ويسلبونهم، ويقتلون من دافع منهم عن نفسه أضراب"بنى مجزية" وغيرهم ممن شهر بالنهب والغصب، فقال أبو عمار: هذه جزيرتهم إلا قعد فيما بأيديهم والأغلب عليه الحلال، وتلك جزيرة البربر أنهم فيها غارة وكل ما بأيدي الغارة ريبة، إلا من أبصر شيئا عيانا فلا يحل له الدنو منه في بدو ولا حضر، فأنهم في بلادنا غارة ونحن البربر في جزيرتنا كالعرب في جزيرتهم.
قلت هكذا وجدتها وأقول والله أعلم، أن الذي استثناه من قوله "من أبصر شيئا عيانا فيجبتنبه" إنما ذلك
(1) / يعني بهم قبائل الأعراب التي تعيش الإغارة والنهب واتخذتها حرفة وعرفت بذلك وخاصة زمن اضطراب شمال افريقيا في عهود المؤلف (راجع ابن خلدون ج 6)