الخليل بن احمد الفراهيدى
الجزء ١ · صفحة ٧١رأي
حين يشذ عقل عن المطروق من اللغة المتداولة فيبدأ فى التعامل مع اللغة على قدر نبوغه وتفرده ، يعجز الناس عن مجاراة ذلك العقل ويتقاصرون عن فهم مراميه ومراداته ، ومن ثم ينفرون من التجاوب معه ، قعودا وتقاهرا، والتماسا للدعة وأخذا للمياة من مآخذها الهينة البسيطة فلقد شهد التاريخ العربي قديمه وحديثه علماء وادباء فاقوا أترابهم ومعاصريهم فى القدرات العلمية والعقلية فأثاروا حولهم الاقاويل والنقد والانتقاد وقد نال الخليل من ذلك قسطا وافرا على قدر وفرة التميز العقلي التي اتسم بها، واذا كان ذلك شأن الخليل فى مجال اللغة فإن هناك ابا تمام فى الشعر وقصته الشهيرة مع الرجل الذي بادره بقوله : لم لا تقول ما يفهم ؟ فعاجله ابو تمام برد صار مثلا يحتذى حين قال له : ولم لاتفهم ما يقال ؟
اذا فالذنب ليس ذنب العقل المبدع ان تقاصر الناس عن فهمه ، وانما من اراد من الناس ان يجهد عقله ويشحذ عزيمته ليجاري العالم فى علمه حتى يرتقى الى مستواه فيأخذ عنه ويواصل المسيرة من بعده وما بغير هذا تبنى الحضارات وتسمو مروح العلم والمعرفة ، وقد شهد تاريخ الادب الحديث أمثلة لذلك تمثلت فى شخصيات اتهمت من جانب الكثيرين بالالغاز والغموض فى التأليف مثل العقاد فإذا ادركنا ان الرجل الذي اعجز الناس عن فهم نتاج عقله لم ينل من التعليم إلا شهادة الابتدائية لادركنا كم من جهد بذل ليقف على ثقافته العربية وثقافات الامم الاخرى دون معلم او مدارس ، فلماذا نستغرب اذن ان يسبق الخليل ابناء عصره ويضع من صفوف العلوم والمؤلفات ما يعجز معاصروه عن فهمه ومن ثم يتقاصرون عن الاستمرار فى رفع راية الابتكارات العلمية واللغوية لتنضج وتستوي على سوقها، وقد اتضح من رواية الليث ان الخليل وضع كتاب العين وهو على فراش مرض ربما كان الاخير اي انه كان فى اخريات حياته فلم يسعفه العمر لكي يوضح ما غمض ويشرح ما أجمل .