عمر بن عبد العزيز حياته وآثاره لنصر العامري - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ١١٩فليس بغريب أن يقوم عمر (رضي الله عنه) بهذه الإصلاحات؛ حيث كان جده عمر ابن الخطاب يتفقد أحوال الرعية في النهار، ويعيش في شوارع المدينة؛ ليكشف عن الكروب المخبوءة، ويحارب الرذائل والمجون، ولكن لا يهتك أستار البيوت؛ بل يحارب ما أُعْلِنت فيه المعاصي فأصدر الأوامر بإلغاء المراقص والملاهي، وأماكن المجون والشراب، التي تنشر مفاسدها على الناس ويرتادها الساقطون من الذين يستمعون إلى الجواري والقانيات وغنائهن.(1)
ومن القصص العجيبة التي ذكرها بعض الكُتَّاب مخالفةً لنزاهة عمر وورعه وتقواه وهي أنه اشْتُهِر بجارية ذات حسن وظرف وغناء في المدينة، وكانت مع القاضي أبي بكر بن حزم(2) ولم يكن يعلم أنها تغني فعلم بذلك من شاب جاء المدينة طالبا لها، فطلب القاضي منها الغناء فغنت، فَسُرَّ القاضي بغنائها، واستخفَّهُ الطرب، وطلب منها أن تغني مرة أخرى، فغشيه من الطرب أمر عظيم، فجثا على ركبتيه، وعلَّق نعله على أذنه وشدَّها والنعل معلقة فيها حتى أدماها ومشى على ركبتيه، وهو يقول:" اهدوني إلى البيت الحرام فأنا بدنه(3) . فعلم عمر بذلك. فقال: "قاتله الله! لقد استرقه الطرب!"، وعزله، فلما علم القاضي بذلك قال: " لو سمعها عمر لقال: اركبوني فأنا مطية" فعَلِمَ عمر بن عبد العزيز بذلك فطلب القاضي والجارية وسأله عما قاله، فأعاد، وقال مؤكدا: " نسائي طوالق إن لم يحدث لك هذا" فلما سمِع عمر غناءها اضطرب وقد فاضت عيونه من الدمع حتى اخضلت لحيته، وعذر القاضي وأرجعه.(4)
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لعفت وصال حمزة، ص167.
(2) _ تأتي ترجمته.
(3) _ ما يذبح في الحج.
(4) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الرحمن الشرقاوي، ص60،61.