عمر بن عبد العزيز حياته وآثاره لنصر العامري - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٨٦وشاورهم في الأمر فيها تدرج تشريعي حيث أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ماله في خاصته عليهم من تبعة فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور، والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير فعزله واجب، هذا مالا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: وأمرهم شورى بينهم، وواجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يقال: ما ندم من استشار، ويقال أيضاً: من أعجب برأيه ضل.
إن قوله (تعالى): ﴿وشاورهم في الأمر﴾ يدل على جواز الاجتهاد في الأمور، والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي فإن الله أذن لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه (عليه السلام) أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، وتطيبا لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتألفا على دينهم، وإن كان الله (تعالى) قد أغناه عن رأيهم، وكانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله (تعالى) نبيه (عليه الصلاة و السلام) أن يشاورهم في الأمر فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم وأطيب
لنفوسهم فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحي وروي ذلك عن الحسن البصري وغبره قولهم: ما أمر الله (تعالى) نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده، كما أنه إذا استشير من هو أهل للاستشارة واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه وبه قال بعض الفقهاء.