قراءة في المسيرة التربوية للشيخ صالح لعلي لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١تمهيد:
تعددت مجالات اهتمامات الشيخ صالح لعلي في حياته، وعظمت معاني التضحية والإخلاص، وتنوعت معالم الجهاد والكفاح، فظل الشيخ يسري نحو الدعوة إلى الله، وتفكر آلائه في خلقه وعظيم صنعه، فكان ذلك المحرك له في عمله الاجتماعي، والدافع لاهتمام بمصالح المسلمين، والمنطلق لحل القضايا الفقهية والعقدية، فعمل رحمه الله في رعاية أحوال المسجد، وسعى إلى رفع بيت الله بخدمات جليلة لعمار بيته الطاهر، وتسابق في جهاد حثيث في سبيل تربية الناشئة، وإعداد جيل المستقبل، وهذا المسعى الأخير نود أن نسلط عليه الضوء، فندرس مسيرة الشيخ في المجال التربوي، ونستعرض جملة من نشاطاته، تاركين الحديث عن رعاية شؤون طلبته، ومراقبته أحوالهم، وتدبير أمورهم، ومدى علاقتهم بشيخهم إلى مداخلات أخرى إن شاء الله.
أولا: التدريس في دار الشيخ صالح لعي:
أورد الشيخ حفار أن الشيخ صالح لعلي بدأ "التدريس بداره عام 1308هـ"، الموافق لـ 1890م(1)، بمعنى أن الشيخ فتح داره للتعليم وتربية أبناء المسلمين في عنفوان شبابه -حوالي 20سنة-، وربما كان ذلك بعيد زواجه، لينبئنا عن مدى حرقة الشيخ في تبليغ دين الله، وحرصه لتقديم ألوان شتى من صنوف العلم لتلاميذه، بما يُقيم دينَهم، ويُعلي نفوسَهم، ويرُبي وجدانَهم، ويقوِّم لسانَهم، ويَبني عقولهم بكل نافع من نتاج الفكر الإنساني. ورائده في جهاده هذا حياة الأنبياء عليهم السلام في إرشاد أمتهم إلى الصلاح والخير، واتباعا لعادة المشايخ في عصره وبلدته الذين يدرسون في منازلهم، أو في دور يكرونها خصيصا للتعليم(2)، وتلقب هذه الدور بـ " تَدارتْ اَنواعزام" أو "تِدارْ اَنواعزام" عند الجمع.
من المتعارف عليه عند التلاميذ أن ينسبوا مثل هذا التعليم إلى أسماء مشايخهم أو مدرسيهم، تقديرا لتفانيهم، واحتراما لصنيعهم، لذلك لا نستبعد أن دار الشيخ كانت تسمى "تدار اَنواعزام الشيخ صالح لعلي"، والأمر الذي يركز هذه التسمية عند أفواه الناس كونُ المشايخ لا يكتفون بتدريس الصغار فقط، وإنما يعقدون حلقات تعليمية ودروسا في الوعظ والإرشاد في منازلهم، بغرض توعية المسلمين، وتدريب أنفسهم على توظيف معلوماتهم التي يتلقونها من مشايخهم، واكتساب مهارة الاتصال بالناس والاحتكاك
(1) حفار إبراهيم، [ترجمة الشيخ لعلي]، (مخطوط)، ص 96؛ صالح لعلي: [ترجمة عن حياته]، أملاها على تلميذه قضي بكير بن إبراهيم بتاريخ 12 سبتمبر 1925، (مخطوط)، ص 186.
(2) انظر مبحث التعليم التابع للمشايخ من بحث الحاج موسى لطيفة: المدارس الحرة في بني يزقن: من 1900 إلى 2005، بحث إثبات الكفاءة المنهجية، إشراف: ابن ادريسو مصطفى، نوقش سنة 2005، (مصفف) ص 20 - 25.