كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

يستشعرون فيه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوِّهون سمعة المصلحين، كلُّ ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد، فيصدّقهم أولئك المساكين ويهرولون وراءهم؛ ظانّين أنّهم إنّما يجرون إلى مثلهم الأعلى»(1).

وبذلك يستطيعون أن يبعدوا المناضل والمجاهد الحقيقي عن الساحة، ومن ثمَّ يتباهون باقتراف الجرائم والموبقات، فآل الأمر إلى أن كان العفيف المنكِر لذلك كأنَّما هو الجاني، وأنَّ ذلك الجاني الفاجر هو الرجل المصلح الشجاع، وأنَّ الصمت عن هذه الفعلة الشنعاء هو من السياسة والكياسة(2).

ويروح أبو اليقظان مبيّنا كيفية عزل المكافح عن ميدانه، وما ينجرّ عنه من الصمت، وبخاصَّة من قبل علماء السلطة، يقول: «يناقش العلماء ويتبارى الخطباء في فنون الكلام وشتَّى المواضيع، ولكنهم غالبا لا يحومون حول هذا الموضوع كأنَّهم يرونه أمرًا عاديا، والدخول فيه فضولا ومصادمة للرّأي العام(3). ولذلك يقول متهكّمًا على لسان هؤلاء الجَهَلة: «إنّك تعلم يا أخي فساد هذا الزمان، وفساد نيّات أهله وخبث نفوسهم وفساد قلوبهم ومرض ضمائرهم، فيجب عليك أن تأخذ حِذرك منهم، وأن تتوارى عن عيونهم ولا ترى وجوههم ولا يروا وجهك»(4).

بل إنَّ الأمر يتعدّى إلى مناصرة المفسدين وأعوان الاستعمار وأذنابهم. يقول أبو اليقظان: «تقع الخصومة بين مُحقّ ومبطل، وقد ظهر فيها الحقّ من الباطل عيانا، وعوض أن يناصروا المحقّ على المبطل، فإنّهم بالعكس يتحامون على المحقّ،

(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 94 (03/ 08/1928).

(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 93 (27/ 07/1928).

(3) - المصدر السابق.

(4) - أبو اليقظان، البستان، ع: 7 (13/ 06/1933).

١٠٩ / ٢٩٠