Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١١٠ويناصرون المبطل ما وجدوا لذلك سبيلا، وإلاَّ أنزلوهما في مستوى واحد وسوَّوا بينهما؛ أمَّا أن يقولوا للمبطل مبطلا، ويكفُّوه عن باطله فهذا ممَّا ليس في عرفهم»(1).
هكذا يبيِّن أبو اليقظان بأنَّ الأمَّة أصبحت قابلة للباطل وهذا من أكبر ما وصل إليه السقوط الحضاري من المسخ والانحراف، وكلُّ ذلك لأنَّ العدوَّ عزل المصلح بكل الوسائل وأصبح في نظر المجتمع مفسدا. يقول: «ومن العار الفظيع أن يهيم المبطل في أودية أباطيله، ولا تتحرَّك منكم شفة، ولا ينبض منكم عرق، ولا يفور منكم إحساس، وإذا قام أحد لدحض باطله وإحياء الحقِّ قمتم في وجهه قومة عنتر أمام أخصامه، لعرقلة أعماله، وإبطال مساعيه فكممتم فمه، وكسرتم قلمه، وقيّدتم يده، وأمسكتم عنه كلَّ قوَّة»(2).
هكذا استطاع المستعمر عن طريق عزل المكافح عن ميدانه، وعن طريق القصف والمسخ وسياسة التجويع والتطويع وإيجاد الأذناب إلى إسكات بعض العلماء، فأغرى من أغرى وكمَّم فم من حاول أن يجهر بالحقِّ، وأن يقف أمام هذا المخطَّط الجهنَّمي. يقول أبو اليقظان: «وعلماء المسلمين يلجمون بلجام الصمت والسكوت، ينزوون في قعر بيوتهم مرتدين رداء الجمود والخمول؛ جُبنا أو طمعا في لقب أو مرتّب أو وظيف»(3). بهذا استطاع المستعمر أن يعزل المصلحين المكافحين، ويمكِّنَ لقيادات مفبركة، فغرس فيها ما لا يمكن قلعه قبل قرون.
هذه الحرب الاستبدادية أدّت بالعامّة إلى الانزواء والانكماش والجمود وفساد الرأي، ممَّا قيّد الألسنة، وأبكم الأفواه وجفّف الرؤوس، فامتلأت الأمخاخ هَوَسًا ووسوسة، فأصبح المجتمع مشلولا جامدا، شعاره الجبن والخوَر،
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 87 (15/ 06/1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 32 (20/ 05/1927).
(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927).