Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١١٧خاصيَّة من خصائصهم، يقول: «إنَّ الضعيف جرثومة تلد آلافا من الجراثيم فيسري الضعف في المال إلى الدين، والأخلاق، والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفا في كلّ ذلك، إلى أن يصير وهو يردِّد الأنفاس في حكم الميّت، تتقاذفه القوَّة من هنا وهنالك»(1).
هكذا يبرز لنا أبو اليقظان الصراع الفكري الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ لأنَّ الواقعيّة الفكريَّة عند أبي اليقظان واقعيَّة العمق الفكري، والصدق الفنِّي، وشمول التصوُّر، ووضوح الهدف، ولذلك يصف القويّ المتمثّل في الغرب بقوله الاستشرافي «يخدم القويُّ كلّ شيء، ويؤاتيه كلُّ حظّ، ويلائمه كلّ ريح؛ البرّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوُّ يمدُّ إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره، والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتّبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللاّلئ لترصيع تاجه وتحلية جيده، البخار يذلّل شمَّ الصعاب، والكهرباء تسخِّر له ما عجز عنه أولو الألباب»(2).
فهذه واقعيَّة التصوُّر الإنساني حين يتجبَّر، منذ فرعون، مرورًا بهامان وقارون، ووصولا إلى عصرنا؛ عصر النظام العالمي الجديد؛ إنّه التصوّر الإنساني لحركة التاريخ السياسي والاجتماعي للقوّة، وعلاقة القويّ بالحياة، واكتشاف واقع الضعيف، واقع الذل والهوان، الذي يقول عنه الشيخ: «أمَّا الضعيف، فإنَّه يخونه كلُّ حظ، ويعثر به كل جدّ، ويعاكسه كلّ ريح، وتقف في سبيله كلّ عقبة، وينغلق أمامه كلّ باب، إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخَّره ضعفه، وإن طرق بابا أو صده دونه وهنُه، وإن استغاث خانه خفوت صوته، حسنته سيِّئة، وصلاحُه فساد، وصوابه خطأ، وحقُّه باطل، جماله دمامة، وعبقريّته طيش وتجاوز لطوره، إن تكلَّم الحقَّ سُفِّه، وإن صدق القول كُذِّب، وإن أبدى رأيا سديدا لغا فيه»(3).
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 09 (29/ 11/1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(3) - المصدر نفسه.