كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١١٨

إنَّ القوّة من أهمِّ مبادئ أبي اليقظان؛ لأسباب اجتماعية سياسية تصويرية؛ نتيجة لظروف كثيرة تاريخيَّة تارة، ودينيَّة أخرى، وهذا نتيجة تحليله للمجتمع فوجد أنَّ الناس منقسمون إلى ثلاث فئات:

أ - «من يموت كمدًا أو يهجر العالم بأسره، كما تموت الطيور الحرَّة في أقفاصها»(1) وهي فئة الأحرار الذين حاولوا المقاومة ولكنهم ماتوا كمدًا؛ لأنَّ الأمَّة لا تستجيب لهم؛ ولأنَّ وضعهم لا يسمح لهم بالمقاومة أو الاستكانة للاستعمار، فكانت مقاومتهم مقاومة سلبيَّة، أو ما يمكن أن نسمِّيه بالانتحار الإرادي البطيء.

ب - ومنهم من يكدُّ ويكدح ويتلمَّس أسباب الخلاص على غير طائل(2). وهؤلاء هم المقاومون أصحاب الثورات الذين استبسلوا في مقاومة الاستعمار الأوروبي؛ لكن دون جدوى وهم فئة قليلة جدًّا، ولذلك فشلوا لأسباب سياسيَّة واقتصاديَّة وعسكريَّة؛ لأنَّ موازين القوى لم تكن بجانبهم، بل كانت مع الأقوى.

ج - ومنهم من يرضى بالذُّلِّ والهوان «والخنوع، ويستسيغ منه لُقَمًا ملوَّثة بصديد المنِّ والإهانة، ويرى السعادة كلَّ السعادة في استرضاء سيِّده وابتسامة مولاه، والعزَّ كلَّ العزِّ في التمجُّد به، والاعتزاز بقوله»(3).

إنَّ هذا الصنف الأكبر من الأمَّة، ضعفت ثقته بنفسه، ولم يقدِّر قيمتها حقَّ قدرها، فهان عليه أمره، ورضي بكلّ صغار واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيْد أم داسه بَكر؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخِسَّة والمهانة(4)، لأنَّ القابلية للاستعمار تمكَّنت منه، واستولى عليه الوهن؛ ممَّا حوّله إلى ”لا شيء“ لا أمل له ولا رجاء ولا غاية، وكلُّ غايته: «استحصال شعاع من ابتسامة سيِّده، أو كلمة

(1) - أبو اليقظان، القويّ والضعيف، وادي ميزاب، ع: (109/ 22/11/ 1928).

(2) - المصدر السابق.

(3) - المصدر نفسه.

(4) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927).

١١٨ / ٢٩٠