كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

أحسن وأفضل من الأخرى، وبهذه المحاورات استطاع أبو اليقظان أن يعيد القِيَم إلى نصابها، ويعطي لكلّ هذه الثنائيات حقّها الطبيعي.

هذه الحواريات منهج، وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية؛ لأنَّ الأمَّة انقلبت فيها المفاهيم، وشاعت فيها الازدواجيَّة واختلط فيها الفساد بالصَّلاح.

7 - إشكالية القوّة والاستضعاف:

يرى أبو اليقظان بأنَّ القويَّ المستعبد سيستعبد هذا العالم، وسيكوِّن نظاما عالميا جديدا، يجعل الإنسانيَّة قاطبة تابعة له، ولن يمكن لأيِّ نظام أن يقف أمامه: «يغتصب القويُّ أمما، ويبتلع شعوبا ويقتل عشرات ومئات الآلاف، فقال له مرحى، وإذا ما تطاول الضعيف فمدَّ يده إلى رغيف أو قام في وجه القويِّ لمطالبته بجزء قليل من حقِّه، قامت الدنيا في وجهه صخبا وصراخا وضجيجا، وسلقوه بألسنة حداد؛ ووصموه بجميع الوصمات، وانهالوا عليه بوابل من السباب واللَّعنات، وأرمقوه بجمرات النظرات؛ كأنَّه طلعة أو رأس من رؤوس الشياطين، وليس له من جرم غير أنَّه ضعيف الحال، يائس البال»(1).

بهذا الفكر السياسي المحنَّك، المدقِّق في الأمور؛ كان أبو اليقظان يلج المجال السياسي، وبهذه النظرة العميقة كان يفتّق قضايا عصره؛ وكأنّه يعيش بيننا، وبهذه الشجاعة يكتب في العشرينيّات من هذا القرن، وكأنّي به يرى بمنظار إلهي، وإلاّ ما معنى هذا الكلام؟: «يخدم القويّ كلّ جدّ ويؤاتيه كلّ حظّ، ويلائمه كلّ ربح، البرّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوّ يمدّ إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره، والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتّبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللآلئ لترصيع وتحلية جيده، البخار يذلّل له شمّ الصعاب، والكهرباء تسخّر له ما عجز عنه أولو الألباب؛ نتاج الحيوان مادته، والضعيف من

(1) - أبو اليقظان، " القويّ والضعيف "، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).

١٢٠ / ٢٩٠