Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٢١الإنسان عبده، وكلّ ما في الأرض حقّ له وملك في يده، يعطي منه ما يشاء لمن يشاء، ويقبض منه ما يشاء عمّن يشاء»(1).
إنَّ أبا اليقظان يصف هذا النظام العالمي الجديد الذي سيتمكّن من رقاب سكّان الأرض، إن لم يتحرّك الضعفاء – وهو ما رأيناه رأي العين فعلا بعده بسنوات طوال- ولا عجب إذن أن يكمل أبو اليقظان تصوّره هذا قائلا: «يرى أنَّه لا قوَّة غير قوَّته، ولا دين غير دينه، ولا شريعة غير شريعته، ولا عقلية غير عقليته، والمرضيُّ من رضي عنه، والمغضوب منه من غضب هو عليه، ويرى بموجب ذلك أنّه يجب عزل الله - تعالى الله- من أرضه ومزاحمته في ملكوته؛ يجب نسخ دينه وشريعته، ويجب فسخ نظامه في الكون، وتأسيس نظام عصري جديد على أنقاض نظامه. هكذا القويُّ وهكذا آثار القوَّة العمياء»(2).
هذا ما جعل الضعيف - حسب رأي أبي اليقظان - عبدا لهذا المستعمر الجديد أفرادا وجماعات؛ لأنَّ الإنسان يخضع دائما للقوَّة؛ وهذا التصوُّر الذي حوَّل الضعفاء إلى عبيد، جعلهم لا يفكِّرون إلاَّ في إرضاء هذه القوَّة الاستعمارية العمياء؛ فباعوا دينهم، وتخلَّوا عن اعتقادهم، ورهنوا أوطانهم، ويتسارعون كما يقول: «إلى بيع أعزِّ ما لهم من ذمَّة، أو عرض، أو شرف، أو وطن أو قومية أو دين، إنَّ هذه كلُّها لا تساوي جناح بعوضة»(3).
إنَّ أهمَّ ما جعل الأقوياء أقوياء هو هذا الضعف، وهذه الاستكانة من سكّان الأرض الضعفاء الذين أصابهم الوهن، واعتراهم الخوف، وسرت قابلية الاستعمار في نفوسهم، ولذلك فهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا: «فأمَّا الضعيف فإنّه يخونه كلّ حظّ، ويعثر به كلّ جدّ، ويعاكسه كلّ ربح، وتقف في سبيله كلّ عقبة،