Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وينغلق أمامه كلّ باب، إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخّره ضعفه، وإن طرق بابا أوصده دونه وهنه، وإن استغاث خانه خفوت صوته، حسنته سيّئة، وصلاحه فساد وصوابه خطأ، وحقّه باطل، جماله دمامه، وعبقريّته طيش وتجاوز لطوره، إن تكلّم الحقّ سُفّه، وإن صدق القول كُذّب، وإن أبدى رأيا سديدًا لغا فيه»(1).
إنَّ هذا الصنف الأكبر من الأمَّة ضعفت ثقته بنفسه ولم يقدر قيمته حقّ قدرها، فهان عليه أمره، ورضى بكلّ صغار واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيد أم داسه بكر؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخسة والمهانة(2)، لأنّ القابلية للاستعمار تمكّنت منه، واستولى عليه الوهن مما حوّله إلى ”لا شيء“، لا أمل له ولا رجاء، ولا غاية وكلّ غايته: «استحصال شعاع من ابتسامة سيّده أو كلمة معسولة من ثنائه، كلّفهم ذلك ما كلّفهم من بيع أعزّ ما لهم من ذمّة أو عرض أو شرف أو وطن أو قومية أو دين؛ أنَّ هذه كلّها لا تساوي عندهم جناح بعوضة، ما دامت لا تكفل لهم ابتسامة ذلك، من نيل شهوة وقضاء لبانة، ولهذا تراهم يمعنون في الهدم والتخريب ويتنافسون في ذلك، وينظرون أيّهم أسبق منهم فيه، وأيّهم أنجح في نيل بغيته من سيّده، وأكثر حظّا وأوفر نصيبا، إذ كلّما كان أقلّ حيلة وأضعف أثرا في الهدم كان أقلّ حظا من أخيه»(3).
هذا الضعف الأخير هو الذي أرسى دعائم الاستعمار الحديث وقوّض الوحدة الوطنيّة، وكان نقمة على الأمَّة في جميع أطوارها، لأنّ الضعف لا يقف موقفا سكونيا حياديا، إنّما هو طاقة هدم لأنّها تتناسل.
هكذا يحلِّل أبو اليقظان هذه الظاهرة تحليلا تتوالد وتتناسل فيه هذه الأفكار، وهذه نظرة حضارية تدلّ على أنَّ أبا اليقظان قرأ التاريخ قراءة واعية وفهم ظواهره ما استطاع، ولذلك يستشرف المستقبل قائلا: «هذه الحالة لا تبشّر براحة العالم
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927).
(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).