Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ١٤٨أزاء هذه الحالة الأسيفة تحرَّكت دماء الغيرة في عروق أبي اليقظان، فدفعت به إلى ميدان الصحافة، يخوض غمارها ببسالة وشجاعة القائد الماهر، واستطاع بفضل إخلاصه ابتغاء وجه الله بعمله أن يبلغ بعض أهدافه، ومن الأمَّة بعض ما يريد منها، فتظافرت صحافته وصحافة العلاَّمة ابن باديس ( P) على حياة الأمَّة، فاستيقظ نائم وانتبه غافل، وانبعث عامل، فسرت الحياة في منابت عودها، وشقّت طريقها نحو غايتها، الأمر الذي أقلق المستعمر الطاغية، رغم اعتزازه بقوَّته … »(1).
لم يكن حديث البكري عن صحافة أبي اليقظان كحالنا في هذا الزمان، نصوّر المشهد من مدرّجات المتفرّجين، غير مدركين لما يكابده المتنافسون أو المتصارعون. بل كان البكري مع صاحبه في خندق واحد، وإن تشرَّف أبو اليقظان بحمل اللواء وتصدُّر المعركة.
أجل لقد ظلَّ الشيخ عبد الرحمن نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، سيما ما يتعلَّق بتعريب المهمِّ من المقالات، التي تصدر في الصحف الفرنسيّة بالجزائر وبفرنسا، لتضلُّعه في اللّسانين؛ وقد نشرت له العديد من المقالات، وكانت ممضاة غالبا باسم «البكري»، أو باسم «عبد الرحمن بن عمر».
من وحي هذه المعاناة يسجّل البكري «بمداد الفخر والإعجاب جهاد أبي اليقظان العظيم في ميدان الصحافة، وبطولته النادرة في مضمار الوطنيّة، والثّبات على مبدإ الحقّ والتصريح به. فلقد رفع عقيرته بالحقّ، ونعى على الاستعمار ظلمه، وعلى الطغيان عتوّه، وعلى التبشير تضليله، وعلى الجمود خموله وتنطّعه، بكيفية أكسبته إعجاب الصديق والعدوّ، في وقت استحكمت فيه حلقات الاستبداد، وأَصْلَتَ الجبروت سيفه على رؤوس العباد، وخنقت فيه أنفاس الحريّة: حريّة الصحافة والنشر، وأصبح من يخوض غمارها من الأهالي كمن يقطع مسبح التماسيح، فهو معرّض للخطر في كلّ لحظة وحين، لا يدري أيّ داهية تُصَبِّحه أو تمُسِّيه.
(1) - الشيخ عبد الرحمن بكلي، «محاضرات البكري في العلم والعلماء».