كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

يسيطر عليه الاستبداد والأثرة واللّجاج والجهل المطبق، في برودة الدم واستئساد الأفدام، وكذلك الوحدة وانعدام القاطرة التي تجرّ العربات.

وإلاَّ فكيف يتصوَّر عاقل، أو من له ذماء من إحساس، أو رمق من حياة، الدركةَ التي انحطَّ إليها شعبنا في هذه الظروف الأخيرة، ذلك الشعب الذي يُظَنّ فيه بباطل أنَّه أحد العناصر الحيّة في الشمال الإفريقي.

أتدري بماذا يطالب، ويطلب من فرنسا؟، أن تبقيه تحت ضغط الحكم العسكري. لا يريد بقيّاده ولا بشيوخه الحاليّين، ولا برؤسائه العسكريّين بديلا!. فهو في هناء وعافية لا ينقصه خير ولا يطلب مزيدا!. ومن طلب تبديل هذه الحالة فإنّما يطلب تبديل الدين والانسلاخ من القوميّة، ومسخ الوضعيّة. إنّما يريد أن يكون كالذين انسلخوا من جنسيّتهم وديانتهم، فأصبحوا من المخالفين.

فمن كان ذا غيرة دينيَّة، ذا وطنيَّة ميزابيَّة، ذا محافظة على ميزابيّته القوميّة، فلا يوافق العصريّين أنصار الشيوعيّين، الذين يريدون أن يوصلونا إلى ما وصل إليه غيرنا، وأن يصبّحوا أعوان البوليس، مرابطين في أبواب مساكننا، ونساؤنا يسرن سافرات يطالبن بحقوقهنّ كالرّجال، وأعوان المراقبة يعطّلون حركاتنا، والبوليس السرّي يغشى أوساطنا، ويكشف أسرارنا .. إلخ إلخ …

إلى هذا الحضيض بلغنا، وفوق ذلك، فإنّ الدعاة إلى هذه الفكرة يعتبرون أنفسهم، أو يعتبرهم فريق من بني عمومتهم أقطاب الوطن، وقد استغاثوا بقوّات الجمود، والجمود أيّها الأستاذ أخ الإلحاد، وصنو المروق، كلاهما يهدم الشرف، ويمسّ بالدّين، ويضرّ بالوحدة، ويجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا. فيا ويل أمّة هذه عقلية من يزعم أنّه الرأس المفكّر فيها، والعرق النابض، ومذياع الدين والقيّم على الوطن القاصر.

والحقّ أنَّ هؤلاء ليسوا بزعمائها الحقيقيّين، ولا برؤسائها الشرعيّين، إنمّا هم حيوانات طفيليّة، ترتع في جسمها، وانتفاعيّون يوحون بهذه الوساوس إلى سواد الأمَّة الساذج، ويلقون إلى أبواقهم حججا مموّهة، ليقفوا حجر عثرة في سبيل يقظة الأمَّة، التي تجعل حدّا لاستغلالهم، وتحول دون امتصاص دمائها.

١٥٨ / ٢٩٠