كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

أجل، خافوا أن يغرز الثدي الذي كانوا يمتصّون، وينقطع الرسل الذي طالما غذّى مطامعهم، وحقّق فظائعهم، وأحسّوا أنَّ الأمَّة أوشكت أن تشعر أن تقويتهم إنمّا هي تقوية لبلائها، واستفحال لوبائها، شأن الميكروب الذي يعيث في جسم المريض، كلّما قوي واهتاج اشتدّ الخطر على ذلك المريض ودنا من حفرة القبر فتوجّسوا خيفة من ردّ فعلها.

وبعد؛

فلا بدّ من القضاء على ذلك الميكروب الفتّاك لأنَّ بذلك تتعلَّق سلامة الأمَّة وحياتها.

نعم، لا بدَّ من زلزلة تفيق النائمين، ورجّة تزعج الذاهلين، وصيحة تنبّه الغافلين، الذين لا يزالون يعتقدون فيهم الكمال، وسلامة النيّة، وإنّ ما يفعلونه إنّما هو غيرة على الدين، ومحافظة على القوميّة.

أجل، لا بدَّ من كشف الغطاء عن مساوئ الحكم العسكري، وويلاته وسدّه منافذ الحياة في وجه الأمَّة، وعرقلة مساعيها، وقتله أسباب الرجولة والأنفة فيها، وأخذ الأبرياء بالظّنّة، وإذلال سراتها، وتشجيعه عناصر الفساد، وتغاضيه عن الكائدين الهادمين لشرفها، العابثين بكرامتها، واستنزاف مواردها، وإبقائها مكبّلة بسلاسل من الفقر الطبيعي. إلى غير ذلك ممَّا يطول شرحه.

هذه المرامي كلُّها لا تتحقَّق إلاَّ بواسطة الصحافة، والصحافة وحدها تستطيع أن تبلّغ صوت الداعي إلى كلّ أذن، وتقيم الحجّة على كلّ عاقل، فقد آن أوان إصدار جريدة تتّبع مخازي القوم وتكشف الغطاء عمّا يمثّل وراء أستار مطامعهم. فكفى عبثا بالأمَّة، وكفى استهانة بحقوقها، وكفى سكوتا على هذه المهازل التي صيّرتنا مضغة في الأفواه، وسخريّة حتى عند الذين يستغلوننا.

ولقد آن أن نعمل بجدّ وصرامة، وأن نغامر كما يغامر الرجال، أوّلا فحقّنا أن نهاجر هذا الوطن الموبوء، ونتركه للكلاب النابحة والذئاب العاوية، تأكل رأسه، إلى وطن يجد فيه الحرّ راحة ضميره، ويكون له مضطربا واسعا للعمل. فبلاد الإسلام كلّها مهد للمسلم. أمّا أن نبقى كالمناديل تسمح فيها حثالة الناس أوساخها، وتتّخذها الكلاب مبالة عند شغارها، فلا.

١٥٩ / ٢٩٠