كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

بورد“، وهو معروف بنزعته الاستعمارية الحاقدة ضدَّ الأهالي الجزائريِّين، وقد حارب الصحف العربية ذات الاتِّجاه الوطني عامَّة، وصحف أبي اليقظان خاصَّة».

لم تقف وزارة الداخلية الفرنسية عند هذا الحدِّ، بل تعدَّته إلى أكثر من هذا، فأصدرت قرارًا جائرًا في حقِّ جريدة أبي اليقظان ”وادي ميزاب“، فمنعت صدورها وحجرت طبعها وبيعها وتوزيعها، فما كان من الشيخ أبي اليقظان الشهم البطل أن يرضخ لهذا القرار وأن يذلّ ويخضع، فاضطر إلى إصدار جريدة ”المغرب“ في سنة 1930م(1) باسم السيِّد ”تعموت عيسى“، أحد تلامذته تستُّرا، لكن ما كان لهذه الجريدة أن تنعم بنور الحرية فعطِّلت كسابقتها. وكان ردُّ فعل الجزائريِّين أزاء هذا التعطيل المجحف قويًّا، زعزع أركان البيت الصليبي الحقود، وقوَّض دعائم كيان الإدارة الاستعمارية الجائرة، وزلزلت الأرض تحت أقدام الوالي العام ”بير بورد“، فتهاطلت على وزارة الداخلية الفرنسية برقيات الاحتجاج، بشكل جماعي وبإمضاءات جماعية، إذ بعثت القرارة وحدها تلغرافا يشتمل على 800 كلمة، وبإمضاء 150 شخصا (حسب المصدر المذكور سابقا)(2)؛ ممَّا جعل الوالي العام ”بيار بورد“ يترك العاصمة ويتوجَّه للتوّ إلى وادي ميزاب، وهو في حالة غضب شديد؛ ليوقف هذا الاحتجاج الجماهيري، ويسكِّن هذا الهيجان الشعبي الجارف، وعند وصوله إلى عاصمة الميزابيِّين (غرداية) ثار ثورانا شديدا بكلِّ مشاعر السخط والعنصرية والغطرسة والجبروت، حيث قال متحدثا عن سبب توقيفه جريدة ”وادي ميزاب“: «أنا حجزتها لأنَّها مسَّت كرامتي وحتَّى كرامة أولادي. ولم تقف عند هذا الحدِّ، بل تطاولت وتكلَّمت في الحكَّام وآذتهم، ونحن لا نريد من يتكلَّم فينا، وأنا الذي أصدرت قرارًا بتعطيلها ومن الذي يردُّ قولي؟ إن الذي يردُّ قولي لم يخلق بعد».

أثناء هذه القلاقل والأعاصير التي جاءت نتيجة لمصادرة هذه الصحيفة، استدعي الشيخ أبو اليقظان من طرف السلطات الاستعمارية لإجراء تحقيق دقيق معه، بشأن هذه الجريدة ويُستجوب في مصدر هذا السيل العارم من برقيَّات الاحتجاج، التي تهاطلت على الإدارة الفرنسية من ميزاب وسائر أنحاء القطر. وقد أبدت السلطات الاستعمارية تعجّبها من هذا السيل المتهاطل؛ محاولة إلصاق تهمة تحريض المواطنين على القيام بمظاهرات عارمة، أو عمل جماهيري انتقامي ضدَّ أمن الدولة الفرنسيَّة؛ حتَّى يجدوا للشيخ أبا اليقظان مبرِّرا لإبعاده أو نفيه، أو الزجِّ به في السجن أو إعدامه، والاستراحة من الصحافة المضلِّلة للرَّأي العام في نظر الإدارة الفرنسية.

لكن موقف أبي اليقظان كان شجاعا رصينا ثابتا، فكان يجيب بكلِّ رباطة وجأش، مدافعا عن آرائه ومبادئه وأفكاره؛ مادامت كلُّ جرائده لم تكن خارجة عن القانون، أو مشتملة على أية مخالفة قضائية، توجب المصادرة أو التعطيل أو

(1) - قبل ذلك أصدر جريدة ”ميزاب“ يوم: 25 جانفي 1930م. (م. ن. ب).

(2) - حدث هذا بعد تعطيل جريدة وادي ميزاب. (م. ن. ب).

٢٠٠ / ٢٩٠