كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

والتخلُّص. ولكن هذا السلوك - حسب نظر الشيخ أبي اليقظان - لمن ينظر إلى القضايا من جهتها المادية ولغرض دنيوي عاجل، أمَّا من ينطق عن إيمان قويٍّ، ووطنية حارَّة، وعن صدق عميق، ونية خالصة لله والدين والوطن، فإنَّه يقدِّم المصلحة العليا للوطن على مصلحته الشخصيَّة؛ رجاء الأجر الأخروي قبل النفع الدنيوي.

هكذا نرى أنَّ شيخنا يفيض وطنية صادقة حارَّة، لا يبالي بمن يعارضه من المتخاذلين الخانعين، الذين لا يعرفون من كلمة الوطنية سوى فخامة المبنى ورنين النغمة، فهذه ليست هي الوطنية التي يعيش بها الشيخ أبو اليقظان حتَّى النخاع، فالوطنية في نظره، كما وصفها في مقال له هي: «شرارة نارية، يقذفها الله في النفس، فيلتهب بها الدماغ، ويرسل أشعَّة نورها إلى القلب، فتحرّك حرارتها الأعضاء، وتنير الأشعّة الساطعة أمامها طريق العمل».

يضيف الشيخ أبو اليقظان قائلا: «إنَّ الوطنية الحقَّة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعزَّ، ويفقر ليغنى، ويموت ليحيى»(1).

إنَّه التفاني الكامل ونكران الذات نكرانًا تامًّا، لا مجال للاختيار، إذا دعا داعي الوطن، ولا للتردُّد أو الخوف أو المداراة أو النفاق، إذا تطلَّبت القضية الوطنية موقفا جادًّا كالمساس بالدِّين أو اللغة أو الوطن.

إنَّ مفهوم الوطنية عند الشيخ أبي اليقظان واسع، فهو يشبِّهها كأنها نسيج واحد، تتشابك فيه جميع القضايا: سياسية كانت أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية أو اقتصادية، فكلُّ مساس بقضية من هذه القضايا هو مساس بالشخصية الوطنية، وحتَّى الدين الذي يخيَّل للبعض أنَّه لا صلة له بالسّياسة، هو عند الشيخ أبي اليقظان شيئان متلازمان، لا نستطيع الفصل بينهما كالظل وصاحبه، ومتى كان فصل الدين عن الدولة؟ فهو معتقد اخترعه المستعمر وبعض الجهلة من الشعب.

(1) - جريدة وادي ميزاب، عدد: 26، (10/ 04/1927م).

٢٠٣ / ٢٩٠