Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨أن التقاه صارحه متحسِّرا ومتأثِّرا بقوله: «إنَّك لم تفقد قاسما فلذة كبدك، وإنَّما أنا الذي رُزِئتُ في عضدٍ مساند، وسند معاضد … » ولعلَّ ما يؤسف له - وفيما علمت - أنَّ صفحة هذا الرجل قد طُويت تماما بمجرَّد موته، ولم يعد يأتي عليه ذكر في حديث، أو ضمن سطور كتاب إلاَّ نادرًا. ويا حبَّذا لو يُنفض الغبار عن سيرته الذاتية، في مناسبة من المناسبات التي تشهدها مدينة القرارة دوريًّا، وما أكثرها.
وما إن أبصرني الأخ أحمد الراعي وأنجاله الصغار، وأبناء أخيه ”عمِّي عيسى“ حتَّى غمروني كعادتهم بعبارات الترحاب والاستقبال، التي رمت عنِّي آصار السفر جانبًا، وجعلتني أتذكَّر قول الإمام الشافعي: «سافر تجد عِوضًا عمَّن تفارقه». وبعد استراحة دامت بضعا من ساعة، جاءني الأخ قاسم (الأكبر سنًّا) بخوان الغذاء. ولم تمض عن نزولي بيتَهم سوى ساعات قليلة، حتَّى فاجأهم عودة قاسم «أمَزْيَانْ» (أي الأصغر) بعد غياب دام شهورًا، ففرحوا فرحتين، واعتبروا قدومي فأل خير على العائلة التي ظلَّت ترقب زيارة غائبها. وأشير إلى أن تكرار اسم ”قاسم“ بين أفراد العائلة، يرجع منبعه إلى تعلُّق الأخوين عيسى وأحمد بوالدهم ”قاسم“ الأكبر، الذي شاءت له إرادة الله التي لا تقاوم أن يفارقهم ويتركهم صغارًا على ضعف وكلال، ولذا دعا كلاهما ابنه البكر باسمه وفاء حبًّا وتبرُّكا.
في الغد، وبعد أن تناهى إلى مسمع الأخ أحمد - شفاه الله - هاتفًا حلول موعد مقابلة طبيب، يعالجه في مستشفى ”الدويرة“ قرب العاصمة، جاءني متأسِّفا ومتحرِّجا ليعتذر لي، وتمنَّى لقائي في فرصة أخرى أقرب وأنسب، ودعوت له من جانبي بالشِّفاء العاجل والعودة إلى ذويه معافى. ولا أستطيع أن أخفي استفادتي الجمَّة في الزيارة السابقة من الأخ أحمد، فهو صاحب ثقافة اجتماعية غنية وغزيرة. وكانت تجمعنا بعد صلاة الصبح كلَّ يوم مناقشات وحوارات رائعة، نتعرَّض فيها لمواضيع عديدة. ولم أشاهده ولو مرَّة يتضايق أو يشمئزُّ من أسئلتي، ولم يكن يتهرَّب من الإجابة عن كلِّ ما يشغل بالي عن المجتمع الإباضي، الذي يشكِّل في نظري منوالا