Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩حريًّا بالاقتداء والاحتذاء. وهو محدِّث بارع، وبفضل عذوبة كلامه يشدُّ أذن مستمعه، ولا يسجنه في أية نقطة تثار في رأي واحد، أو تفسير محدَّد. وقد علَّمته التجارة التي زاولها منذ نعومة أظافره، مع جدِّه من أبيه جنبا إلى جنب الدقَّة وحسن التقدير، فهو يعطيك في ختام كلِّ محاورة الحكم السديد، الذي لا تشعر معه بأية سطحية أو ابتسار. وأمَّا طيبة الجنان ورطوبة اللِّسان وسخاء اليد، فحدِّث واسترسل ولا حرج. وللأخ أحمد مقدرة فائقة على صناعة النكتة المهذَّبة. وأذكر أنَّنا جلسنا ذات مرَّة حول مائدة الطعام في الزيارة السالفة، ولما نفذت شرائح الخبز البلدي التي كانت أمامي، سألته: أين طبق الخبز ”يا عمِّي أحمد؟ “، فأجابني مازحا ومبتسما: أما صادفته في القرارة. ومدَّ يده إلى أسفل المائدة ليسحبه.
واتتني الفرصة في هذه الزيارة لحضور فعاليات ملتقى الصحافي الموسوعي المرحوم الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى في الذكرى الثلاثين لوفاته (1973 - 2003م) والذي جاءه مدعوُّون بعدد محدود من عدَّة جهات من الوطن. وكان في مقدِّمة الحاضرين الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) - حفظه الله -، وهو بعمره المديد الذي ينيِّف عن قرن بالتقويم الميلادي (من مواليد 1902م)، يعدُّ شاهدًا على أحداث وتقلُّبات وانعطافات قرن من الزمن. وقبيل انطلاق أشغال الملتقى، لمحته منهمكا في حديث مع ابنه الروحي الدكتور محمَّد ناصر، وأبصرتُ هذا الأخير يستمع إليه بلطف وأدب، كما يصغي المتعلِّم المبتدئ إلى مؤدِّبه في لحظات النصح، ولا يقوى حياءً على تركيز بصره في وجهه النيِّر إلاَّ بشكل عابر.
كان الشيخ عدُّون - أطال الله عمره - أوَّل المتكلِّمين في الملتقى المذكور. وعلى امتداد حديثه لم يركض خلف التحليل والتفسير والاستنتاجات، وإنَّما سرد واستعرض شهادة حيَّة عن أبي اليقظان، أحد زملائه في معركة الإصلاح في الجنوب الجزائري، ورغم أنَّ المجالات التي برز وتفوَّق المحتفى بذكرى وفاته متنوِّعة ومتعدِّدة، إلاَّ أنَّ عنوان الملتقى اقتصر على أبي اليقظان الصحافي حصرًا وتحديدًا. وبعد التوطئة، شرع الشيخ عدُّون في تقليب صفحات ذاكرته، التي ما تزال تحتفظ بقوَّتها وصفائها